Difference between revisions of "Lu Xun Complete Works/ar/Shexi"
Tag: Blanking |
|||
| Line 1: | Line 1: | ||
| + | <div style="background-color: #003399; color: white; padding: 12px 15px; margin: 0 0 20px 0; border-radius: 4px; font-size: 1.1em; direction: rtl;"> | ||
| + | <span style="font-weight: bold;">اللغة:</span> [[Lu_Xun_Complete_Works/zh/Shexi|ZH]] · [[Lu_Xun_Complete_Works/es/Shexi|ES]] · <span style="color: #FFD700; font-weight: bold;">AR</span> · [[Lu_Xun_Complete_Works|→ الفهرس]] | ||
| + | </div> | ||
| + | = حفل القرية (社戏) = | ||
| + | |||
| + | '''لو شون (鲁迅، Lǔ Xùn، ١٨٨١–١٩٣٦)''' | ||
| + | |||
| + | من مجموعة '''صرخة الحرب''' (《呐喊》، ١٩٢٣) | ||
| + | |||
| + | ترجمة من الصينية إلى العربية. | ||
| + | |||
| + | ---- | ||
| + | |||
| + | حفل القرية | ||
| + | |||
| + | |||
| + | في السنوات العشرين الماضية لم أشاهد الأوبرا الصينية سوى مرتين. في العشر سنوات الأولى لم أشاهدها مطلقاً إذ لم تكن لديّ نيّة ولا فرصة. المرتان وقعتا في العقد الثاني، لكنني في كلتيهما عدتُ دون أن أرى ما يستحقّ. | ||
| + | |||
| + | المرة الأولى كانت في السنة الأولى للجمهورية حين وصلتُ إلى بكين (北京). قال لي صديق: «أوبرا بكين هي الأفضل. ألا تريد مشاهدتها؟» فكّرت أن الذهاب إلى المسرح ممتع، فما بالك ببكين. فذهبنا متحمّسين إلى حديقة مسرحية لا أذكر اسمها؛ كان العرض قد بدأ والطبول تُسمع من الخارج. شققنا طريقنا حتى المدخل فتراءت لعينيّ ألوان حمراء وخضراء، ثم اتّضح أن تحت المسرح ليس سوى بحر من الرؤوس. دقّقتُ النظر فلمحت بضعة مقاعد فارغة في الوسط، لكن ما إن حاولتُ الجلوس حتى بدأ أحدهم يحتجّ. أذناي كانتا تطنّان أصلاً من الضجيج فاضطررت للإصغاء بجهد لأفهم أنه يقول: «محجوزة، لا يمكن!» | ||
| + | |||
| + | تراجعنا إلى الخلف، فقادنا رجلٌ بضفيرة لامعة إلى جانب وأشار إلى مكان. ذلك «المقعد» المزعوم كان مقعداً طويلاً لكن لوحه أضيق من فخذي بثلاثة أرباع وساقاه أطول من ساقيّ السفليتين بثلثين. في البداية لم أجرؤ على الصعود؛ ثم ربطته بأدوات التعذيب وفررت مرتعداً. | ||
| + | |||
| + | بعد مشي طويل سمعتُ فجأة صوت صديقي: «ما الذي يحدث؟» التفتُّ فرأيته قد تبعني. قال مندهشاً: «لماذا تمشي دون أن تجيبني؟» قلت: «صديقي، أعتذر، أذناي لم تكفّا عن الطنين فلم أسمع ما قلت.» | ||
| + | |||
| + | كلّما تذكّرت ذلك بعدها بدا لي غريباً جداً: ربما كانت الأوبرا سيّئة للغاية، أو ربما أصبحتُ غير قادر على البقاء تحت خشبة مسرح. | ||
| + | |||
| + | المرة الثانية لم أعد أذكر في أيّ عام؛ على أيّ حال كان لجمع تبرّعات لفيضانات هوبي (湖北) وتان جياوتيان (谭叫天) لم يمت بعد. طريقة التبرّع: ادفع يوانين لتذكرة وشاهد الأوبرا في المسرح الأول (第一舞台) بمشاركة ممثّلين كثر مشهورين ومنهم شياو جياوتيان (小叫天). اشتريتُ التذكرة مجاملةً لمن عرضها عليّ، لكن يبدو أن متحمّساً انتهز الفرصة ليقول لي إن مشاهدة جياوتيان واجبة. فنسيتُ كارثة الطبول والضجيج في السنوات السابقة وذهبتُ إلى المسرح الأول، ربما أيضاً لأن التذكرة الباهظة يجب أن تُستخدم لراحة الضمير. علمتُ أن جياوتيان يظهر متأخراً، وبما أن المسرح الأول حديث البناء ولا يحتاج المرء للقتال على المقاعد، بقيتُ مطمئناً ولم أخرج حتى التاسعة. لكن كالعادة كان ممتلئاً عن آخره يكاد المرء لا يقف. تشبّثتُ بين الحشد عن بُعد ورأيتُ لاودان (دور العجوز) تغنّي على المسرح. كان في طرفَي فمها فتيلتا ورق مشتعلتان وبجانبها جنديّ شبح. تأمّلتُ طويلاً وخمّنت أنها ربما أمّ مو ليان (目连)، لأن راهباً ظهر بعدها. لكنني لم أعرف أيّ ممثّل مشهور هو فسألت السيّد البدين المنضغط إلى يساري. رمقني بنظرة ازدراء جانبية وقال: «قونغ يون فو (龚云甫)!» خجلتُ خجلاً عميقاً من جهلي واحمرّ وجهي ففرضتُ على نفسي قاعدة ألا أسأل مجدداً أبداً. هكذا شاهدت شياودان تغنّي وهوادان ولاوشنغ وأدواراً أخرى لا أعرفها، وشاهدتُ فرقة تتقاتل بفوضى وشخصين أو ثلاثة يتضاربون، من التاسعة والشيء إلى العاشرة فالحادية عشرة فالحادية عشرة والنصف فالثانية عشرة... لكن جياوتيان ظلّ لم يظهر. | ||
| + | |||
| + | لم أنتظر شيئاً بهذا الصبر قطّ. فوق ذلك بين لهاث السيّد البدين وطنين الطبول وترنّح الألوان الحمراء والخضراء ومنتصف الليل، أدركتُ فجأة أنه لم يعد ممكناً البقاء. أدرتُ جسمي آلياً ودفعتُ طريقي؛ شعرتُ أن الفراغ خلفي امتلأ فوراً: حتماً نصف جسد ذلك السيّد البدين المرن تمدّد في المكان الذي أخليته. لا مجال للرجوع فواصلتُ الاندفاع حتى خرجتُ من الباب الرئيسي. في الشارع لم يكن سوى المركبات المنتظرة للمتفرّجين وبالكاد عابرون. عند الباب ما زال عشرة أشخاص أو نحوهم يرفعون رؤوسهم يقرأون لوحة العرض، ومجموعة أخرى واقفة لا تنظر إلى شيء: خمّنتُ أنهم ينتظرون لرؤية النساء يخرجن حين ينتهي العرض. وجياوتيان ظلّ لم يظهر... | ||
| + | |||
| + | لكن هواء الليل كان منعشاً جداً مما يُسمّى «يخترق أعماق الروح». كأنني أجد في بكين هواءً بهذا الصفاء لأول مرة. | ||
| + | |||
| + | تلك الليلة كانت وداعي للأوبرا الصينية. منذ ذلك الحين لم أفكّر فيها مطلقاً؛ وحتى لو مررتُ بمسرح صرنا غرباء تماماً، أبعد روحياً من شمال السماء وجنوب الأرض. | ||
| + | |||
| + | لكنني قبل أيام عثرتُ مصادفة على كتاب ياباني — لسوء الحظ نسيتُ العنوان والمؤلف — يتناول الأوبرا الصينية. مقال فيه يقول تقريباً إن الأوبرا الصينية بطبولها الصاخبة وصيحاتها العالية وقفزاتها الكبيرة تُصيب المشاهد بالدوار وهي غير ملائمة تماماً لمسرح مغلق؛ لكن إن شُوهدت في الهواء الطلق عن بُعد فلها سحرها الخاص. شعرتُ أنها تعبّر تماماً عمّا كنتُ أفكّر فيه ولم أصغه قطّ، لأنني أتذكّر بوضوح أنني شاهدتُ أوبرا جيدة في الهواء الطلق، ولعلّ زيارتَيّ لمسارح بكين كانتا من تأثير تلك التجربة. المؤسف أنني لا أعرف كيف نسيتُ عنوان الكتاب. | ||
| + | |||
| + | أما تلك الأوبرا الجيدة التي شاهدتها فهي من ماضٍ «بعيد، بعيد جداً»؛ لم تكن تزيد سنّي على إحدى عشرة أو اثنتي عشرة سنة. في قريتنا لوجِن (鲁镇) كان العرف أن البنات المتزوّجات اللواتي لم يتولّين بعد إدارة البيت يعدن إلى بيت الأهل صيفاً. جدّتي كانت بصحة جيدة لكن أمّي كانت تتحمّل بعض أعباء المنزل فلم تستطع البقاء طويلاً في بيت أهلها صيفاً؛ فقط بعد زيارة القبور تذهب بضعة أيام. لذا كنتُ كلّ عام أرافق أمّي إلى بيت جدّتي لأمي. ذلك المكان يُسمّى قرية بينغتشياو (平桥村)، قرية صغيرة جداً ونائية بجانب النهر ليست بعيدة عن البحر؛ أقلّ من ثلاثين بيتاً، كلّهم مزارعون وصيّادون، بدكّان بقالة واحد. لكنها كانت بالنسبة لي جنّة: لم يُعاملوني جيداً فحسب بل تخلّصتُ من ترداد «صفوف منتظمة، تشي تشي سي قان، جنوب الجبل الهادئ» (秩秩斯干幽幽南山). | ||
| + | |||
| + | كان رفاق لعبي أطفالاً كثيرين. بما أن ضيفاً من بعيد جاء، أذن أهلهم لهم بالعمل أقلّ ومرافقتي في اللعب. في تلك القرية الصغيرة ضيف عائلة كان تقريباً ضيف الجميع. كنّا جميعاً في أعمار متقاربة لكن بحسب الأجيال كنت على الأقلّ عمّاً؛ بل بعضهم كنت جدّ جدّه لأن الجميع في القرية يحملون اللقب ذاته وهم أقارب. لكننا كنّا أصدقاء، وحتى لو تشاجرنا أحياناً وضربتُ الجدّ الأكبر، لم يخطر في بال أحد في القرية عبارة «عدم احترام الكبار»؛ فضلاً عن أن تسعة وتسعين بالمئة منهم أمّيّون. | ||
| + | |||
| + | أنشطتنا اليومية: نقلب التراب بحثاً عن ديدان ونثبّتها في خطّافات مصنوعة من سلك نحاسي ونستلقي على ضفة النهر نصطاد الجمبري. الجمبري أغبى مخلوقات المياه: لا يتردّد في قبض طرف الخطّاف بمقصَّيه ووضعه في فمه، فيمتلئ وعاء في نصف يوم. الجمبري كان من نصيبي حسب القاعدة. النشاط التالي الذهاب معاً لرعي الأبقار؛ لكن ربما لأنها حيوانات أرقى، كانت الأبقار الصفراء والجاموس تتحرّش بالغرباء وتجرؤ على ترهيبي، فلم أجرؤ على الاقتراب وكنت أتبعها واقفاً من بعيد. في تلك اللحظات لم يسامحني الأصدقاء على حفظي «صفوف منتظمة، تشي تشي سي قان» وسخروا منّي جميعاً. | ||
| + | |||
| + | أكثر ما كنتُ أتوق إليه هناك هو الذهاب إلى قرية تشاو تشوانغ (赵庄) لمشاهدة الأوبرا. تشاو تشوانغ قرية أكبر تبعد خمسة لي عن بينغتشياو. بينغتشياو كانت أصغر من أن تقيم عرضها فكانت تدفع كلّ سنة مبلغاً لتشاو تشوانغ كمساهمة مشتركة. آنذاك لم أسأل لماذا يُقدَّم العرض كلّ عام. الآن أعتقد أنه ربما كان عيد الربيع، أوبرا المعبد الجماعي: «حفل القرية» (社戏). | ||
| + | |||
| + | في تلك السنة حين كنت في الحادية عشرة أو الثانية عشرة اقترب الموعد تدريجياً. لكن يا للأسف: ذلك الصباح لم نجد قارباً. في بينغتشياو لم يكن سوى قارب كبير واحد يخرج باكراً ويعود مساءً ولا يمكن حبسه. الباقي قوارب صغيرة غير مناسبة؛ أرسلوا للسؤال في القرية المجاورة فلم يجدوا أيضاً: كلّها محجوزة. غضبت جدّتي لأمي كثيراً ولامت العائلة على عدم الحجز مسبقاً. هدّأتها أمي قائلة إن أوبرا لوجِن أفضل بكثير ونشاهدها عدة مرّات في السنة فلنترك هذا اليوم. أنا وحدي كنتُ قلقاً حتى كدتُ أبكي. أمرتني أمي ألا أثير مشهداً حتى لا تنزعج جدّتي مجدداً ومنعتني من الذهاب مع أحد لأن الجدّة ستقلق. | ||
| + | |||
| + | باختصار انتهى الأمر. بعد الظهر ذهب أصدقائي جميعاً وبدأ العرض؛ كنتُ أسمع صوت الطبول والصنوج وأعلم أنهم يشترون حليب الصويا تحت المسرح. | ||
| + | |||
| + | ذلك اليوم لم أصطد جمبرياً وبالكاد أكلت. أمّي كانت قلقة لا تعرف ما تفعل. وقت العشاء أدركت جدّتي الأمر أخيراً وقالت إن غضبي مبرّر وإنهم تصرّفوا بقلّة أدب لم يُسمع بها في آداب الضيافة. بعد العشاء اجتمع الصبية العائدون من الأوبرا فرحين يتحدّثون عن العرض. أنا وحدي صامت؛ تنهّد الجميع وأبدوا التعاطف. فجأة اقترح أذكاهم شوانغشي (双喜) كمن أُلهم: «قارب كبير؟ قارب العمّ الثامن عاد!» ففهم الصبية الآخرون فوراً وبدأوا يُلحّون قائلين إننا نستطيع الذهاب فيه معي. فرحتُ. لكن جدّتي خشيت أننا أطفال فحسب ولا يُعتمد علينا؛ وقالت أمي إن إرسال بالغ يعني أنهم جميعاً يعملون في النهار ولا يصحّ إسهارهم. وسط هذا التردّد التقط شوانغشي الموقف وقال بصوت عالٍ: «أنا أضمن برأسي! القارب كبير؛ الأخ شون (迅哥儿) لا يشاغب أبداً؛ وكلّنا نعرف السباحة!» | ||
| + | |||
| + | كان ذلك صحيحاً! من بين أولئك العشرة أو نحوهم لم يكن واحد لا يجيد السباحة، واثنان أو ثلاثة كانوا فعلاً خبراء في شقّ الأمواج. | ||
| + | |||
| + | اقتنعت جدّتي وأمّي ولم تعترضا بعد ذلك وابتسمتا. خرجنا متدافعين من الباب. | ||
| + | |||
| + | خفّ قلبي الثقيل فجأة وبدا جسدي كأنه تمدّد إلى حجم لا يوصف. ما إن خرجتُ حتى رأيتُ في ضوء القمر القارب ذا المظلّة البيضاء مربوطاً عند جسر بينغتشياو. قفزنا جميعاً على متنه. شوانغشي أمسك العمود الأمامي وآفا (阿发) الخلفي، والصغار جلسوا معي في المقصورة والكبار تجمّعوا في المؤخّرة. حين خرجت أمي تقول «انتبهوا» كنّا قد فككنا الحبل وارتطمنا بحجارة الجسر وتراجعنا بضعة أقدام ثم اندفعنا خارجين من تحت الجسر. نصبوا مجذافين بشخصين لكلّ واحد يتبادلون كلّ لي؛ وبين الضحك والصراخ وخرير الماء على المقدّمة طار القارب مباشرة نحو تشاو تشوانغ بين حقول الفول والقمح الخضراء على الجانبين. | ||
| + | |||
| + | العطر المنعش المتصاعد من فول وقمح الضفّتين ومن طحالب قاع النهر جاء ممزوجاً بضباب الماء. القمر تلاشى في ذلك الضباب. التلال المعتمة المتموّجة كظهور وحوش حديدية قافزة كلّها تفرّ نحو مؤخّرة القارب؛ لكنني ظلّت تبدو لي بطيئة. تبادلوا المجاذيف أربع مرات وبدأوا يلمحون تشاو تشوانغ باهتة، وبدا لهم أنهم يسمعون غناءً وموسيقى ورأوا أضواءً قد تكون المسرح أو نيران صيد. | ||
| + | |||
| + | ذلك الصوت كان على الأرجح ناياً عرضياً: ملتوٍ ورخيم يهدّئ قلبي ويجعلني أضيع فيه، كأنني على وشك الذوبان مع الصوت في هواء الليل المشبع بعطر الفول والقمح والطحالب. | ||
| + | |||
| + | اقتربت الأضواء: كانت فعلاً نيران صيد؛ وتذكّرت أن ما رأيته سابقاً لم يكن تشاو تشوانغ أيضاً. أمام مقدّمة القارب غابة صغيرة من الصنوبر والسرو زرتُها العام الماضي ورأيتُ فيها حصاناً حجرياً مكسوراً ساقطاً أرضاً وكبشاً حجرياً متكوّراً بين العشب. بعد تلك الغابة دخل القارب في فرع من النهر وعندها ظهرت تشاو تشوانغ حقاً أمامنا. | ||
| + | |||
| + | الأبرز كان مسرحاً منصوباً في ساحة مفتوحة بجانب النهر خارج القرية، باهتاً في ليلة القمر البعيدة، يكاد لا يتميّز عن الفضاء المحيط. خلتُ أن عالم الجنّيات الذي رأيته في اللوحات قد تجسّد هنا. أسرع القارب وسرعان ما تبيّنت أشكال على المسرح تتحرّك بألوان حمراء وخضراء؛ وفي النهر قرب المسرح صفّ أسود من المظلّات هي قوارب العائلات القادمة لمشاهدة العرض. | ||
| + | |||
| + | «لا مكان قرب المسرح؛ لنشاهده من بعيد،» قال آفا. | ||
| + | |||
| + | أبطأ القارب ووصلنا سريعاً، وفعلاً لم نستطع الاقتراب من المسرح. غرزنا الأعمدة في القاع أبعد حتى من مظلّة الإله المقابلة للمسرح. وقاربنا ذو المظلّة البيضاء لم يكن يودّ الجلوس بجانب قوارب المظلّات السوداء، ولم تكن هناك فجوة... | ||
| + | |||
| + | في عجالة الرسو رأيتُ على المسرح رجلاً بلحية سوداء طويلة وأربعة رايات مغروسة في ظهره يمسك رمحاً طويلاً ويقاتل مجموعة من الرجال عراة الصدر. قال شوانغشي إنه «الرأس الحديدي» الشهير، لاوشنغ يستطيع أداء أربع وثمانين شقلبة متوالية؛ هو نفسه عدّها نهاراً. | ||
| + | |||
| + | تكدّسنا في المقدّمة لمشاهدة القتال، لكن الرأس الحديدي لم يشقلب؛ فقط بعض عراة الصدر شقلبوا، وبعد مدّة دخلوا جميعاً فخرجت شياودان بدأت تغنّي بصوت حادّ. قال شوانغشي: «ليلاً المتفرّجون قليلون والرأس الحديدي يسترخي أيضاً؛ من سيستعرض لجمهور فارغ؟» وافقتُه لأن تحت المسرح لم يبقَ أحد تقريباً. الفلّاحون الذين عليهم العمل غداً لا يسهرون وذهبوا للنوم؛ لم يبقَ واقفاً سوى بضعة عاطلين من القرية وبعض الجارات. عائلات ملّاك الأراضي في القوارب السوداء موجودة طبعاً لكن لم يهمّهم العرض: معظمهم يأكلون الكعك والفاكهة وبذور دوّار الشمس تحت المسرح. فعملياً كان العرض بلا جمهور. | ||
| + | |||
| + | لكنني أنا أيضاً لم تهمّني الشقلبات. أكثر ما أردت رؤيته شخصٌ مغطّى بقماش أبيض يرفع بكلتا يديه فوق رأسه رأس أفعى على عمود — روح الأفعى — ثم شخص بزيّ قماش أصفر يقفز كالنمر. لكنني انتظرتُ طويلاً فلم يظهرا. دخلت الشياودان وخرج فوراً شياوشنغ عجوز جداً. بدأ التعب يأخذني فطلبتُ من قوي شنغ (桂生) أن يشتري حليب صويا. ذهب وعاد قائلاً: «لا يوجد. البائع الأصمّ ذهب أيضاً. نهاراً كان موجوداً وشربتُ وعاءين. سأسحب دلو ماء لتشرب.» | ||
| + | |||
| + | لم أرد ماء. ثبتُّ أشاهد دون أن أستطيع وصف ما أراه؛ فقط شعرتُ أن وجوه الممثّلين تصير غريبة والملامح ضبابية كأنها تنصهر في كتلة مسطّحة. الصغار يتثاءبون والكبار يتحدّثون فيما بينهم. فجأة رُبط مهرّج بقميص أحمر إلى عمود المسرح وبدأ شيخ بلحية بيضاء يجلده بسوط؛ فانتعش الجميع من جديد وراحوا يضحكون. طوال تلك الليلة بدا لي ذلك أفضل مشهد. | ||
| + | |||
| + | لكن في النهاية خرجت اللاودان. اللاودان كانت أكثر ما أخشاه، خاصة حين تجلس وتغنّي. حين رأيتُ الجميع يتذمّرون أيضاً عرفتُ أنهم يشاركونني الرأي. اللاودان في البداية تمشّت تغنّي ذهاباً وإياباً، ثم جلست على كرسيّ وسط المسرح. قلقتُ؛ شوانغشي والآخرون بدأوا يلعنون بصوت خفيض. انتظرتُ بصبر مدّة طويلة ورأيتُ اللاودان ترفع يدها؛ ظننتُ أنها ستقف. لكنها أنزلتها ببطء إلى مكانها وواصلت الغناء. تنهّد القارب بأكمله وتثاءب الجميع. شوانغشي أخيراً لم يتحمّل وقال: «مؤكّد ستغنّي حتى الفجر بلا توقّف؛ الأفضل أن نرحل.» وافق الجميع فوراً بنفس حماس الانطلاق. ركض ثلاثة أو أربعة إلى المؤخّرة ونزعوا الأعمدة وتراجعوا بضعة أمتار وأداروا المقدّمة ونصبوا المجاذيف ولعنوا اللاودان وهم يبحرون عائدين نحو غابة الصنوبر والسرو. | ||
| + | |||
| + | القمر لم يغب بعد كأن العرض لم يطُل كثيراً. بابتعادنا عن تشاو تشوانغ كان القمر يسطع بصفاء خاص. حين نظرتُ خلفي بدا المسرح بين الأضواء مجدداً كبرج جبل جنّيّ ملفوف بسحب حمراء؛ والصوت القادم إلى الأذن كان مرة أخرى الناي العرضي رخيماً جداً. خمّنتُ أن اللاودان قد انسحبت لكنني لم أجرؤ على اقتراح العودة. | ||
| + | |||
| + | بعد قليل خلّفنا غابة الصنوبر. القارب لم يكن بطيئاً لكن الظلام المحيط ازداد عمقاً: يُعلم أن الليل قد تأخّر. يعلّقون على الممثّلين يلعنون أو يضحكون ويجذّفون بقوة. هذه المرة خرير المقدّمة كان أقوى؛ القارب بدا كسمكة بيضاء كبيرة تحمل مجموعة أطفال يقفزون بين الأمواج. حتى بعض صيّادي الليل العجائز أوقفوا قواربهم لينظروا إلينا ويصفّقوا. | ||
| + | |||
| + | بقي حوالي لي للوصول إلى بينغتشياو. أبطأ القارب؛ قال المجذّفون إنهم أُنهكوا ولم يأكلوا منذ وقت طويل. قوي شنغ جاء بالفكرة: الفول العريض في أفضل حالاته والحطب جاهز ويمكن سرقة حفنات وسلقها. وافق الجميع. أدنَوا القارب إلى الضفة؛ في الحقول نبتات فول قويّة خضراء لامعة. | ||
| + | |||
| + | «هيّا، آفا، هذا الجانب لعائلتك وذاك للعجوز ليو يي (六一)؟ من أيّهما نسرق؟» شوانغشي كان أوّل من قفز وقال ذلك من الضفة. | ||
| + | |||
| + | قفزنا جميعاً. آفا وهو يقفز قال: «انتظروا، دعوني أتحسّس.» تحسّس من جانب إلى آخر واستقام وقال: «نسرق من عندنا: فولنا أكبر بكثير.» هتف الجميع موافقين وتوزّعوا في حقل عائلة آفا وقطف كلّ واحد حفنة كبيرة وألقاها في مقصورة القارب. شوانغشي رأى أنه لو سرقوا أكثر ستبكي أمّ آفا وتوبّخهم، فذهب كلّ واحد إلى حقل الجدّ ليو يي وسرق حفنة أخرى. | ||
| + | |||
| + | بعض الكبار واصلوا التجذيف ببطء؛ وآخرون ذهبوا إلى المؤخّرة لإشعال النار؛ والصغار وأنا فرّطنا الفول. سرعان ما نضج فتركنا القارب يطفو على الماء وجلسنا حوله نأكل بأيدينا. بعد أن نفد الفول عدنا للإبحار وغسلنا الأدوات ورمينا القرون والقشور في النهر دون أن نترك أثراً. ما كان يقلق شوانغشي أننا استعملنا ملح وحطب قارب الجدّ الثامن — شيخ دقيق جداً سيلاحظ حتماً ويوبّخهم. لكن بعد التشاور خلصوا إلى أنه لا داعي للقلق. لو وبّخهم سيطالبونه بإعادة غصن شجرة السَّبَغ اليابس الذي التقطه من الضفة العام الماضي، وسيسمّونه في وجهه «الثامن الأجرب». | ||
| + | |||
| + | «عدنا جميعاً! أيّ مشكلة؟ قلتُ إنني ضامن!» صاح شوانغشي فجأة من مقدّمة القارب. | ||
| + | |||
| + | نظرتُ إلى الأمام: ها هو جسر بينغتشياو، وعند الجسر شخصٌ واقف: أمّي. كان شوانغشي يكلّمها. خرجتُ إلى المقدّمة ودخل القارب تحت الجسر ورسا ونزلنا جميعاً. أمّي كانت غاضبة بعض الشيء تقول إن الساعة تجاوزت الثالثة فجراً وكيف تأخّرتم هكذا، لكنها سرعان ما سُرّت وضحكت ودعت الجميع لأكل أرزّ مقليّ. | ||
| + | |||
| + | قال الجميع إنهم تناولوا وجبة خفيفة وهم نعسانون والأفضل النوم باكراً، فذهب كلّ واحد إلى بيته. | ||
| + | |||
| + | في اليوم التالي استيقظتُ بعد الظهر. لم أسمع شيئاً عن مسألة ملح وحطب الجدّ الثامن. بعد الظهر عدتُ لاصطياد الجمبري. | ||
| + | |||
| + | «شوانغشي، عصابة الشياطين، سرقتم فولي بالأمس! وفوق ذلك لم تقطفوه بعناية ودستم كثيراً منه.» رفعتُ رأسي: كان الجدّ ليو يي قادماً في قاربه الصغير بعد أن باع فولاً؛ في بطن القارب ما زالت كومة. | ||
| + | |||
| + | «هذا صحيح. كان عندنا ضيف. في البداية لم نرد فولك حتى. انظر، أخفتَ لي الجمبري!» قال شوانغشي. | ||
| + | |||
| + | رآني الجدّ ليو يي فأوقف مجذافه وقال مبتسماً: «ضيف؟ هذا جيّد.» ثم سألني: «الأخ شون (迅哥儿)، هل كانت أوبرا الأمس جيّدة؟» | ||
| + | |||
| + | أومأتُ برأسي: «جيّدة.» | ||
| + | |||
| + | «والفول كان لذيذاً؟» | ||
| + | |||
| + | أومأتُ مرة أخرى: «لذيذ جداً.» | ||
| + | |||
| + | سُرّ الجدّ ليو يي سروراً استثنائياً ورفع إبهامه وقال بارتياح: «هذا ما يحدث حين يعرف شخص من المدينة متعلّم كيف يقدّر الأشياء! بذوري انتقيتها حبّة حبّة! أهل الريف لا يميّزون الجيّد من الرديء ويقولون إن فولي لا يساوي فول غيري. اليوم سأرسل حفنات لعمّتنا الآنسة لتتذوّق...» ومضى يجذّف. | ||
| + | |||
| + | حين نادتني أمّي للعشاء كان على المائدة وعاء كبير من الفول المسلوق: أرسله الجدّ ليو يي لأمّي ولي. وسمعتُ أنه أثنى على أمّي أيضاً: «صغير في السنّ وكلّ هذا الفهم؛ مؤكّد سينال المرتبة الأولى في الامتحانات. يا عمّتنا الآنسة، حظّك مضمون.» لكن حين أكلتُ ذلك الفول لم يبدُ لي بلذّة فول الليلة السابقة. | ||
| + | |||
| + | حقاً، حتى اليوم لم أذق فولاً بتلك اللذّة ولم أشاهد أوبرا بذلك الجمال. | ||
| + | |||
| + | |||
| + | (أكتوبر ١٩٢٢) | ||
| + | |||
| + | [[Category:Lu Xun]] | ||
| + | [[Category:Chinese Literature]] | ||
Revision as of 22:37, 9 April 2026
حفل القرية (社戏)
لو شون (鲁迅، Lǔ Xùn، ١٨٨١–١٩٣٦)
من مجموعة صرخة الحرب (《呐喊》، ١٩٢٣)
ترجمة من الصينية إلى العربية.
حفل القرية
في السنوات العشرين الماضية لم أشاهد الأوبرا الصينية سوى مرتين. في العشر سنوات الأولى لم أشاهدها مطلقاً إذ لم تكن لديّ نيّة ولا فرصة. المرتان وقعتا في العقد الثاني، لكنني في كلتيهما عدتُ دون أن أرى ما يستحقّ.
المرة الأولى كانت في السنة الأولى للجمهورية حين وصلتُ إلى بكين (北京). قال لي صديق: «أوبرا بكين هي الأفضل. ألا تريد مشاهدتها؟» فكّرت أن الذهاب إلى المسرح ممتع، فما بالك ببكين. فذهبنا متحمّسين إلى حديقة مسرحية لا أذكر اسمها؛ كان العرض قد بدأ والطبول تُسمع من الخارج. شققنا طريقنا حتى المدخل فتراءت لعينيّ ألوان حمراء وخضراء، ثم اتّضح أن تحت المسرح ليس سوى بحر من الرؤوس. دقّقتُ النظر فلمحت بضعة مقاعد فارغة في الوسط، لكن ما إن حاولتُ الجلوس حتى بدأ أحدهم يحتجّ. أذناي كانتا تطنّان أصلاً من الضجيج فاضطررت للإصغاء بجهد لأفهم أنه يقول: «محجوزة، لا يمكن!»
تراجعنا إلى الخلف، فقادنا رجلٌ بضفيرة لامعة إلى جانب وأشار إلى مكان. ذلك «المقعد» المزعوم كان مقعداً طويلاً لكن لوحه أضيق من فخذي بثلاثة أرباع وساقاه أطول من ساقيّ السفليتين بثلثين. في البداية لم أجرؤ على الصعود؛ ثم ربطته بأدوات التعذيب وفررت مرتعداً.
بعد مشي طويل سمعتُ فجأة صوت صديقي: «ما الذي يحدث؟» التفتُّ فرأيته قد تبعني. قال مندهشاً: «لماذا تمشي دون أن تجيبني؟» قلت: «صديقي، أعتذر، أذناي لم تكفّا عن الطنين فلم أسمع ما قلت.»
كلّما تذكّرت ذلك بعدها بدا لي غريباً جداً: ربما كانت الأوبرا سيّئة للغاية، أو ربما أصبحتُ غير قادر على البقاء تحت خشبة مسرح.
المرة الثانية لم أعد أذكر في أيّ عام؛ على أيّ حال كان لجمع تبرّعات لفيضانات هوبي (湖北) وتان جياوتيان (谭叫天) لم يمت بعد. طريقة التبرّع: ادفع يوانين لتذكرة وشاهد الأوبرا في المسرح الأول (第一舞台) بمشاركة ممثّلين كثر مشهورين ومنهم شياو جياوتيان (小叫天). اشتريتُ التذكرة مجاملةً لمن عرضها عليّ، لكن يبدو أن متحمّساً انتهز الفرصة ليقول لي إن مشاهدة جياوتيان واجبة. فنسيتُ كارثة الطبول والضجيج في السنوات السابقة وذهبتُ إلى المسرح الأول، ربما أيضاً لأن التذكرة الباهظة يجب أن تُستخدم لراحة الضمير. علمتُ أن جياوتيان يظهر متأخراً، وبما أن المسرح الأول حديث البناء ولا يحتاج المرء للقتال على المقاعد، بقيتُ مطمئناً ولم أخرج حتى التاسعة. لكن كالعادة كان ممتلئاً عن آخره يكاد المرء لا يقف. تشبّثتُ بين الحشد عن بُعد ورأيتُ لاودان (دور العجوز) تغنّي على المسرح. كان في طرفَي فمها فتيلتا ورق مشتعلتان وبجانبها جنديّ شبح. تأمّلتُ طويلاً وخمّنت أنها ربما أمّ مو ليان (目连)، لأن راهباً ظهر بعدها. لكنني لم أعرف أيّ ممثّل مشهور هو فسألت السيّد البدين المنضغط إلى يساري. رمقني بنظرة ازدراء جانبية وقال: «قونغ يون فو (龚云甫)!» خجلتُ خجلاً عميقاً من جهلي واحمرّ وجهي ففرضتُ على نفسي قاعدة ألا أسأل مجدداً أبداً. هكذا شاهدت شياودان تغنّي وهوادان ولاوشنغ وأدواراً أخرى لا أعرفها، وشاهدتُ فرقة تتقاتل بفوضى وشخصين أو ثلاثة يتضاربون، من التاسعة والشيء إلى العاشرة فالحادية عشرة فالحادية عشرة والنصف فالثانية عشرة... لكن جياوتيان ظلّ لم يظهر.
لم أنتظر شيئاً بهذا الصبر قطّ. فوق ذلك بين لهاث السيّد البدين وطنين الطبول وترنّح الألوان الحمراء والخضراء ومنتصف الليل، أدركتُ فجأة أنه لم يعد ممكناً البقاء. أدرتُ جسمي آلياً ودفعتُ طريقي؛ شعرتُ أن الفراغ خلفي امتلأ فوراً: حتماً نصف جسد ذلك السيّد البدين المرن تمدّد في المكان الذي أخليته. لا مجال للرجوع فواصلتُ الاندفاع حتى خرجتُ من الباب الرئيسي. في الشارع لم يكن سوى المركبات المنتظرة للمتفرّجين وبالكاد عابرون. عند الباب ما زال عشرة أشخاص أو نحوهم يرفعون رؤوسهم يقرأون لوحة العرض، ومجموعة أخرى واقفة لا تنظر إلى شيء: خمّنتُ أنهم ينتظرون لرؤية النساء يخرجن حين ينتهي العرض. وجياوتيان ظلّ لم يظهر...
لكن هواء الليل كان منعشاً جداً مما يُسمّى «يخترق أعماق الروح». كأنني أجد في بكين هواءً بهذا الصفاء لأول مرة.
تلك الليلة كانت وداعي للأوبرا الصينية. منذ ذلك الحين لم أفكّر فيها مطلقاً؛ وحتى لو مررتُ بمسرح صرنا غرباء تماماً، أبعد روحياً من شمال السماء وجنوب الأرض.
لكنني قبل أيام عثرتُ مصادفة على كتاب ياباني — لسوء الحظ نسيتُ العنوان والمؤلف — يتناول الأوبرا الصينية. مقال فيه يقول تقريباً إن الأوبرا الصينية بطبولها الصاخبة وصيحاتها العالية وقفزاتها الكبيرة تُصيب المشاهد بالدوار وهي غير ملائمة تماماً لمسرح مغلق؛ لكن إن شُوهدت في الهواء الطلق عن بُعد فلها سحرها الخاص. شعرتُ أنها تعبّر تماماً عمّا كنتُ أفكّر فيه ولم أصغه قطّ، لأنني أتذكّر بوضوح أنني شاهدتُ أوبرا جيدة في الهواء الطلق، ولعلّ زيارتَيّ لمسارح بكين كانتا من تأثير تلك التجربة. المؤسف أنني لا أعرف كيف نسيتُ عنوان الكتاب.
أما تلك الأوبرا الجيدة التي شاهدتها فهي من ماضٍ «بعيد، بعيد جداً»؛ لم تكن تزيد سنّي على إحدى عشرة أو اثنتي عشرة سنة. في قريتنا لوجِن (鲁镇) كان العرف أن البنات المتزوّجات اللواتي لم يتولّين بعد إدارة البيت يعدن إلى بيت الأهل صيفاً. جدّتي كانت بصحة جيدة لكن أمّي كانت تتحمّل بعض أعباء المنزل فلم تستطع البقاء طويلاً في بيت أهلها صيفاً؛ فقط بعد زيارة القبور تذهب بضعة أيام. لذا كنتُ كلّ عام أرافق أمّي إلى بيت جدّتي لأمي. ذلك المكان يُسمّى قرية بينغتشياو (平桥村)، قرية صغيرة جداً ونائية بجانب النهر ليست بعيدة عن البحر؛ أقلّ من ثلاثين بيتاً، كلّهم مزارعون وصيّادون، بدكّان بقالة واحد. لكنها كانت بالنسبة لي جنّة: لم يُعاملوني جيداً فحسب بل تخلّصتُ من ترداد «صفوف منتظمة، تشي تشي سي قان، جنوب الجبل الهادئ» (秩秩斯干幽幽南山).
كان رفاق لعبي أطفالاً كثيرين. بما أن ضيفاً من بعيد جاء، أذن أهلهم لهم بالعمل أقلّ ومرافقتي في اللعب. في تلك القرية الصغيرة ضيف عائلة كان تقريباً ضيف الجميع. كنّا جميعاً في أعمار متقاربة لكن بحسب الأجيال كنت على الأقلّ عمّاً؛ بل بعضهم كنت جدّ جدّه لأن الجميع في القرية يحملون اللقب ذاته وهم أقارب. لكننا كنّا أصدقاء، وحتى لو تشاجرنا أحياناً وضربتُ الجدّ الأكبر، لم يخطر في بال أحد في القرية عبارة «عدم احترام الكبار»؛ فضلاً عن أن تسعة وتسعين بالمئة منهم أمّيّون.
أنشطتنا اليومية: نقلب التراب بحثاً عن ديدان ونثبّتها في خطّافات مصنوعة من سلك نحاسي ونستلقي على ضفة النهر نصطاد الجمبري. الجمبري أغبى مخلوقات المياه: لا يتردّد في قبض طرف الخطّاف بمقصَّيه ووضعه في فمه، فيمتلئ وعاء في نصف يوم. الجمبري كان من نصيبي حسب القاعدة. النشاط التالي الذهاب معاً لرعي الأبقار؛ لكن ربما لأنها حيوانات أرقى، كانت الأبقار الصفراء والجاموس تتحرّش بالغرباء وتجرؤ على ترهيبي، فلم أجرؤ على الاقتراب وكنت أتبعها واقفاً من بعيد. في تلك اللحظات لم يسامحني الأصدقاء على حفظي «صفوف منتظمة، تشي تشي سي قان» وسخروا منّي جميعاً.
أكثر ما كنتُ أتوق إليه هناك هو الذهاب إلى قرية تشاو تشوانغ (赵庄) لمشاهدة الأوبرا. تشاو تشوانغ قرية أكبر تبعد خمسة لي عن بينغتشياو. بينغتشياو كانت أصغر من أن تقيم عرضها فكانت تدفع كلّ سنة مبلغاً لتشاو تشوانغ كمساهمة مشتركة. آنذاك لم أسأل لماذا يُقدَّم العرض كلّ عام. الآن أعتقد أنه ربما كان عيد الربيع، أوبرا المعبد الجماعي: «حفل القرية» (社戏).
في تلك السنة حين كنت في الحادية عشرة أو الثانية عشرة اقترب الموعد تدريجياً. لكن يا للأسف: ذلك الصباح لم نجد قارباً. في بينغتشياو لم يكن سوى قارب كبير واحد يخرج باكراً ويعود مساءً ولا يمكن حبسه. الباقي قوارب صغيرة غير مناسبة؛ أرسلوا للسؤال في القرية المجاورة فلم يجدوا أيضاً: كلّها محجوزة. غضبت جدّتي لأمي كثيراً ولامت العائلة على عدم الحجز مسبقاً. هدّأتها أمي قائلة إن أوبرا لوجِن أفضل بكثير ونشاهدها عدة مرّات في السنة فلنترك هذا اليوم. أنا وحدي كنتُ قلقاً حتى كدتُ أبكي. أمرتني أمي ألا أثير مشهداً حتى لا تنزعج جدّتي مجدداً ومنعتني من الذهاب مع أحد لأن الجدّة ستقلق.
باختصار انتهى الأمر. بعد الظهر ذهب أصدقائي جميعاً وبدأ العرض؛ كنتُ أسمع صوت الطبول والصنوج وأعلم أنهم يشترون حليب الصويا تحت المسرح.
ذلك اليوم لم أصطد جمبرياً وبالكاد أكلت. أمّي كانت قلقة لا تعرف ما تفعل. وقت العشاء أدركت جدّتي الأمر أخيراً وقالت إن غضبي مبرّر وإنهم تصرّفوا بقلّة أدب لم يُسمع بها في آداب الضيافة. بعد العشاء اجتمع الصبية العائدون من الأوبرا فرحين يتحدّثون عن العرض. أنا وحدي صامت؛ تنهّد الجميع وأبدوا التعاطف. فجأة اقترح أذكاهم شوانغشي (双喜) كمن أُلهم: «قارب كبير؟ قارب العمّ الثامن عاد!» ففهم الصبية الآخرون فوراً وبدأوا يُلحّون قائلين إننا نستطيع الذهاب فيه معي. فرحتُ. لكن جدّتي خشيت أننا أطفال فحسب ولا يُعتمد علينا؛ وقالت أمي إن إرسال بالغ يعني أنهم جميعاً يعملون في النهار ولا يصحّ إسهارهم. وسط هذا التردّد التقط شوانغشي الموقف وقال بصوت عالٍ: «أنا أضمن برأسي! القارب كبير؛ الأخ شون (迅哥儿) لا يشاغب أبداً؛ وكلّنا نعرف السباحة!»
كان ذلك صحيحاً! من بين أولئك العشرة أو نحوهم لم يكن واحد لا يجيد السباحة، واثنان أو ثلاثة كانوا فعلاً خبراء في شقّ الأمواج.
اقتنعت جدّتي وأمّي ولم تعترضا بعد ذلك وابتسمتا. خرجنا متدافعين من الباب.
خفّ قلبي الثقيل فجأة وبدا جسدي كأنه تمدّد إلى حجم لا يوصف. ما إن خرجتُ حتى رأيتُ في ضوء القمر القارب ذا المظلّة البيضاء مربوطاً عند جسر بينغتشياو. قفزنا جميعاً على متنه. شوانغشي أمسك العمود الأمامي وآفا (阿发) الخلفي، والصغار جلسوا معي في المقصورة والكبار تجمّعوا في المؤخّرة. حين خرجت أمي تقول «انتبهوا» كنّا قد فككنا الحبل وارتطمنا بحجارة الجسر وتراجعنا بضعة أقدام ثم اندفعنا خارجين من تحت الجسر. نصبوا مجذافين بشخصين لكلّ واحد يتبادلون كلّ لي؛ وبين الضحك والصراخ وخرير الماء على المقدّمة طار القارب مباشرة نحو تشاو تشوانغ بين حقول الفول والقمح الخضراء على الجانبين.
العطر المنعش المتصاعد من فول وقمح الضفّتين ومن طحالب قاع النهر جاء ممزوجاً بضباب الماء. القمر تلاشى في ذلك الضباب. التلال المعتمة المتموّجة كظهور وحوش حديدية قافزة كلّها تفرّ نحو مؤخّرة القارب؛ لكنني ظلّت تبدو لي بطيئة. تبادلوا المجاذيف أربع مرات وبدأوا يلمحون تشاو تشوانغ باهتة، وبدا لهم أنهم يسمعون غناءً وموسيقى ورأوا أضواءً قد تكون المسرح أو نيران صيد.
ذلك الصوت كان على الأرجح ناياً عرضياً: ملتوٍ ورخيم يهدّئ قلبي ويجعلني أضيع فيه، كأنني على وشك الذوبان مع الصوت في هواء الليل المشبع بعطر الفول والقمح والطحالب.
اقتربت الأضواء: كانت فعلاً نيران صيد؛ وتذكّرت أن ما رأيته سابقاً لم يكن تشاو تشوانغ أيضاً. أمام مقدّمة القارب غابة صغيرة من الصنوبر والسرو زرتُها العام الماضي ورأيتُ فيها حصاناً حجرياً مكسوراً ساقطاً أرضاً وكبشاً حجرياً متكوّراً بين العشب. بعد تلك الغابة دخل القارب في فرع من النهر وعندها ظهرت تشاو تشوانغ حقاً أمامنا.
الأبرز كان مسرحاً منصوباً في ساحة مفتوحة بجانب النهر خارج القرية، باهتاً في ليلة القمر البعيدة، يكاد لا يتميّز عن الفضاء المحيط. خلتُ أن عالم الجنّيات الذي رأيته في اللوحات قد تجسّد هنا. أسرع القارب وسرعان ما تبيّنت أشكال على المسرح تتحرّك بألوان حمراء وخضراء؛ وفي النهر قرب المسرح صفّ أسود من المظلّات هي قوارب العائلات القادمة لمشاهدة العرض.
«لا مكان قرب المسرح؛ لنشاهده من بعيد،» قال آفا.
أبطأ القارب ووصلنا سريعاً، وفعلاً لم نستطع الاقتراب من المسرح. غرزنا الأعمدة في القاع أبعد حتى من مظلّة الإله المقابلة للمسرح. وقاربنا ذو المظلّة البيضاء لم يكن يودّ الجلوس بجانب قوارب المظلّات السوداء، ولم تكن هناك فجوة...
في عجالة الرسو رأيتُ على المسرح رجلاً بلحية سوداء طويلة وأربعة رايات مغروسة في ظهره يمسك رمحاً طويلاً ويقاتل مجموعة من الرجال عراة الصدر. قال شوانغشي إنه «الرأس الحديدي» الشهير، لاوشنغ يستطيع أداء أربع وثمانين شقلبة متوالية؛ هو نفسه عدّها نهاراً.
تكدّسنا في المقدّمة لمشاهدة القتال، لكن الرأس الحديدي لم يشقلب؛ فقط بعض عراة الصدر شقلبوا، وبعد مدّة دخلوا جميعاً فخرجت شياودان بدأت تغنّي بصوت حادّ. قال شوانغشي: «ليلاً المتفرّجون قليلون والرأس الحديدي يسترخي أيضاً؛ من سيستعرض لجمهور فارغ؟» وافقتُه لأن تحت المسرح لم يبقَ أحد تقريباً. الفلّاحون الذين عليهم العمل غداً لا يسهرون وذهبوا للنوم؛ لم يبقَ واقفاً سوى بضعة عاطلين من القرية وبعض الجارات. عائلات ملّاك الأراضي في القوارب السوداء موجودة طبعاً لكن لم يهمّهم العرض: معظمهم يأكلون الكعك والفاكهة وبذور دوّار الشمس تحت المسرح. فعملياً كان العرض بلا جمهور.
لكنني أنا أيضاً لم تهمّني الشقلبات. أكثر ما أردت رؤيته شخصٌ مغطّى بقماش أبيض يرفع بكلتا يديه فوق رأسه رأس أفعى على عمود — روح الأفعى — ثم شخص بزيّ قماش أصفر يقفز كالنمر. لكنني انتظرتُ طويلاً فلم يظهرا. دخلت الشياودان وخرج فوراً شياوشنغ عجوز جداً. بدأ التعب يأخذني فطلبتُ من قوي شنغ (桂生) أن يشتري حليب صويا. ذهب وعاد قائلاً: «لا يوجد. البائع الأصمّ ذهب أيضاً. نهاراً كان موجوداً وشربتُ وعاءين. سأسحب دلو ماء لتشرب.»
لم أرد ماء. ثبتُّ أشاهد دون أن أستطيع وصف ما أراه؛ فقط شعرتُ أن وجوه الممثّلين تصير غريبة والملامح ضبابية كأنها تنصهر في كتلة مسطّحة. الصغار يتثاءبون والكبار يتحدّثون فيما بينهم. فجأة رُبط مهرّج بقميص أحمر إلى عمود المسرح وبدأ شيخ بلحية بيضاء يجلده بسوط؛ فانتعش الجميع من جديد وراحوا يضحكون. طوال تلك الليلة بدا لي ذلك أفضل مشهد.
لكن في النهاية خرجت اللاودان. اللاودان كانت أكثر ما أخشاه، خاصة حين تجلس وتغنّي. حين رأيتُ الجميع يتذمّرون أيضاً عرفتُ أنهم يشاركونني الرأي. اللاودان في البداية تمشّت تغنّي ذهاباً وإياباً، ثم جلست على كرسيّ وسط المسرح. قلقتُ؛ شوانغشي والآخرون بدأوا يلعنون بصوت خفيض. انتظرتُ بصبر مدّة طويلة ورأيتُ اللاودان ترفع يدها؛ ظننتُ أنها ستقف. لكنها أنزلتها ببطء إلى مكانها وواصلت الغناء. تنهّد القارب بأكمله وتثاءب الجميع. شوانغشي أخيراً لم يتحمّل وقال: «مؤكّد ستغنّي حتى الفجر بلا توقّف؛ الأفضل أن نرحل.» وافق الجميع فوراً بنفس حماس الانطلاق. ركض ثلاثة أو أربعة إلى المؤخّرة ونزعوا الأعمدة وتراجعوا بضعة أمتار وأداروا المقدّمة ونصبوا المجاذيف ولعنوا اللاودان وهم يبحرون عائدين نحو غابة الصنوبر والسرو.
القمر لم يغب بعد كأن العرض لم يطُل كثيراً. بابتعادنا عن تشاو تشوانغ كان القمر يسطع بصفاء خاص. حين نظرتُ خلفي بدا المسرح بين الأضواء مجدداً كبرج جبل جنّيّ ملفوف بسحب حمراء؛ والصوت القادم إلى الأذن كان مرة أخرى الناي العرضي رخيماً جداً. خمّنتُ أن اللاودان قد انسحبت لكنني لم أجرؤ على اقتراح العودة.
بعد قليل خلّفنا غابة الصنوبر. القارب لم يكن بطيئاً لكن الظلام المحيط ازداد عمقاً: يُعلم أن الليل قد تأخّر. يعلّقون على الممثّلين يلعنون أو يضحكون ويجذّفون بقوة. هذه المرة خرير المقدّمة كان أقوى؛ القارب بدا كسمكة بيضاء كبيرة تحمل مجموعة أطفال يقفزون بين الأمواج. حتى بعض صيّادي الليل العجائز أوقفوا قواربهم لينظروا إلينا ويصفّقوا.
بقي حوالي لي للوصول إلى بينغتشياو. أبطأ القارب؛ قال المجذّفون إنهم أُنهكوا ولم يأكلوا منذ وقت طويل. قوي شنغ جاء بالفكرة: الفول العريض في أفضل حالاته والحطب جاهز ويمكن سرقة حفنات وسلقها. وافق الجميع. أدنَوا القارب إلى الضفة؛ في الحقول نبتات فول قويّة خضراء لامعة.
«هيّا، آفا، هذا الجانب لعائلتك وذاك للعجوز ليو يي (六一)؟ من أيّهما نسرق؟» شوانغشي كان أوّل من قفز وقال ذلك من الضفة.
قفزنا جميعاً. آفا وهو يقفز قال: «انتظروا، دعوني أتحسّس.» تحسّس من جانب إلى آخر واستقام وقال: «نسرق من عندنا: فولنا أكبر بكثير.» هتف الجميع موافقين وتوزّعوا في حقل عائلة آفا وقطف كلّ واحد حفنة كبيرة وألقاها في مقصورة القارب. شوانغشي رأى أنه لو سرقوا أكثر ستبكي أمّ آفا وتوبّخهم، فذهب كلّ واحد إلى حقل الجدّ ليو يي وسرق حفنة أخرى.
بعض الكبار واصلوا التجذيف ببطء؛ وآخرون ذهبوا إلى المؤخّرة لإشعال النار؛ والصغار وأنا فرّطنا الفول. سرعان ما نضج فتركنا القارب يطفو على الماء وجلسنا حوله نأكل بأيدينا. بعد أن نفد الفول عدنا للإبحار وغسلنا الأدوات ورمينا القرون والقشور في النهر دون أن نترك أثراً. ما كان يقلق شوانغشي أننا استعملنا ملح وحطب قارب الجدّ الثامن — شيخ دقيق جداً سيلاحظ حتماً ويوبّخهم. لكن بعد التشاور خلصوا إلى أنه لا داعي للقلق. لو وبّخهم سيطالبونه بإعادة غصن شجرة السَّبَغ اليابس الذي التقطه من الضفة العام الماضي، وسيسمّونه في وجهه «الثامن الأجرب».
«عدنا جميعاً! أيّ مشكلة؟ قلتُ إنني ضامن!» صاح شوانغشي فجأة من مقدّمة القارب.
نظرتُ إلى الأمام: ها هو جسر بينغتشياو، وعند الجسر شخصٌ واقف: أمّي. كان شوانغشي يكلّمها. خرجتُ إلى المقدّمة ودخل القارب تحت الجسر ورسا ونزلنا جميعاً. أمّي كانت غاضبة بعض الشيء تقول إن الساعة تجاوزت الثالثة فجراً وكيف تأخّرتم هكذا، لكنها سرعان ما سُرّت وضحكت ودعت الجميع لأكل أرزّ مقليّ.
قال الجميع إنهم تناولوا وجبة خفيفة وهم نعسانون والأفضل النوم باكراً، فذهب كلّ واحد إلى بيته.
في اليوم التالي استيقظتُ بعد الظهر. لم أسمع شيئاً عن مسألة ملح وحطب الجدّ الثامن. بعد الظهر عدتُ لاصطياد الجمبري.
«شوانغشي، عصابة الشياطين، سرقتم فولي بالأمس! وفوق ذلك لم تقطفوه بعناية ودستم كثيراً منه.» رفعتُ رأسي: كان الجدّ ليو يي قادماً في قاربه الصغير بعد أن باع فولاً؛ في بطن القارب ما زالت كومة.
«هذا صحيح. كان عندنا ضيف. في البداية لم نرد فولك حتى. انظر، أخفتَ لي الجمبري!» قال شوانغشي.
رآني الجدّ ليو يي فأوقف مجذافه وقال مبتسماً: «ضيف؟ هذا جيّد.» ثم سألني: «الأخ شون (迅哥儿)، هل كانت أوبرا الأمس جيّدة؟»
أومأتُ برأسي: «جيّدة.»
«والفول كان لذيذاً؟»
أومأتُ مرة أخرى: «لذيذ جداً.»
سُرّ الجدّ ليو يي سروراً استثنائياً ورفع إبهامه وقال بارتياح: «هذا ما يحدث حين يعرف شخص من المدينة متعلّم كيف يقدّر الأشياء! بذوري انتقيتها حبّة حبّة! أهل الريف لا يميّزون الجيّد من الرديء ويقولون إن فولي لا يساوي فول غيري. اليوم سأرسل حفنات لعمّتنا الآنسة لتتذوّق...» ومضى يجذّف.
حين نادتني أمّي للعشاء كان على المائدة وعاء كبير من الفول المسلوق: أرسله الجدّ ليو يي لأمّي ولي. وسمعتُ أنه أثنى على أمّي أيضاً: «صغير في السنّ وكلّ هذا الفهم؛ مؤكّد سينال المرتبة الأولى في الامتحانات. يا عمّتنا الآنسة، حظّك مضمون.» لكن حين أكلتُ ذلك الفول لم يبدُ لي بلذّة فول الليلة السابقة.
حقاً، حتى اليوم لم أذق فولاً بتلك اللذّة ولم أشاهد أوبرا بذلك الجمال.
(أكتوبر ١٩٢٢)