Lu Xun Complete Works/ar/Yao

From China Studies Wiki
< Lu Xun Complete Works
Revision as of 15:31, 9 April 2026 by Maintenance script (talk | contribs)
(diff) ← Older revision | Latest revision (diff) | Newer revision → (diff)
Jump to navigation Jump to search

اللغة: ZH · EN · DE · FR · ES · AR · → الفهرس

الدواء (药)

لو شون (鲁迅، Lǔ Xùn، ١٨٨١–١٩٣٦)

من مجموعة صرخة الحرب (《呐喊》، ١٩٢٣)

ترجمة من الصينية إلى العربية.


الدواء

١

في النصف الثاني من ليلة خريفية، كان القمر قد غاب والشمس لم تشرق بعد؛ لم يبقَ سوى شريطٍ من سماءٍ زرقاء داكنة. ما عدا مخلوقات الليل، كان كلُّ شيء نائماً. نهض العجوز شوان من عائلة هوا (华) فجأةً، أشعل عوداً من الثقاب، وأضاء المصباح المغطّى بالشحم. امتلأت غرفتا المقهى بضوءٍ باهتٍ مُزرقّ.

«يا أبا شياو شوان، أتذهب الآن؟» جاء صوت امرأة عجوز. ومن الغرفة الخلفية الصغيرة انبعثت نوبة سعال.

«هم.» أصغى العجوز شوان، أجاب، وزرّر سترته. مدّ يده: «ناوليني إيّاه.»

بحثت السيدة هوا طويلاً تحت الوسادة ثم أخرجت رزمة من القطع الفضية وناولتها للعجوز شوان. أخذها بيدٍ مرتجفة، دسّها في جيبه، وضغط عليها من الخارج مرّتين. ثم أشعل الفانوس، وأطفأ المصباح، ودخل الغرفة الخلفية. في الداخل حفيفٌ وهمس، ثم نوبة سعال. انتظر العجوز شوان حتى هدأت، ثم نادى بصوتٍ خفيض: «شياو شوان... لا تنهض. الدكان؟ أمّك ستتولّاه.»

حين لم يعد يسمع ابنه يتكلّم، ظنّ أنه عاد إلى النوم. خطا من الباب إلى الشارع. كان الشارع مظلماً حالكاً وخالياً؛ لم يكن يتّضح سوى طريقٍ أبيض رماديّ. سقط ضوء الفانوس على قدميه، إحداهما تتقدّم الأخرى. صادف بين الحين والآخر بضعة كلاب، لكن لم ينبح أيٌّ منها. كان الهواء أبرد بكثير من الداخل؛ غير أن العجوز شوان شعر بانتعاش، كأنه صار شاباً فجأة، مُتّقداً بقوى خارقة وقدرةٍ على منح الحياة. كانت خطواته عالية واسعة بشكلٍ غير معتاد، والطريق يزداد وضوحاً والسماء إشراقاً.

مستغرقاً تماماً في مشيه، فزع العجوز شوان فجأة: رأى في البعد مفترق طرقٍ على شكل حرف T يمتدّ واضحاً أمامه. تراجع بضع خطوات، وجد دكاناً مغلق الباب، انزلق تحت الإفريز ووقف متّكئاً على الباب. مضى وقتٌ طويل؛ بدأ البرد يسري في جسده.

«هم، العجوز.»

«يبدو سعيداً بنفسه...»

فزع العجوز شوان مرة أخرى. حين فتح عينيه، كان عدّة أشخاص قد مرّوا أمامه. أحدهم التفت ونظر إليه — ملامحه لم تكن واضحة تماماً، لكن نظرته كانت كنظرة جائعٍ يرى الطعام، ومضة جشعٍ في عينيه. نظر العجوز شوان إلى فانوسه: كان قد انطفأ. تحسّس جيبه: الكتلة الصلبة لا تزال هناك. رفع رأسه ونظر في الاتجاهين: رأى أشكالاً غريبة كثيرة، اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة، تتراءى كالأشباح؛ لكن حين دقّق النظر، لم يلاحظ شيئاً آخر غريباً.

بعد قليل، ظهر بضعة جنود يسيرون هناك؛ الدوائر البيضاء الكبيرة على مقدّمة بزّاتهم وظهورها كانت مرئية حتى من بعيد، والذين مرّوا قريباً منه أمكنه تمييز الأشرطة الحمراء الداكنة على سُتراتهم. — وقْعُ أقدامٍ ثقيلة، وفي طرفة عين اندفع حشدٌ كبير. اندمجت المجموعات المتفرّقة فجأةً في كتلة واحدة واندفعت إلى الأمام كالمدّ؛ وعند مدخل المفترق توقّفت فجأةً وتجمّعت في نصف دائرة.

نظر العجوز شوان أيضاً في ذلك الاتجاه، لكنه لم يرَ سوى جدارٍ من الظهور؛ وكلّ الأعناق ممدودة طويلاً، كأنها بطٌّ كثير أمسكت بها يدٌ خفيّة وسحبتها إلى الأعلى. بعد لحظة صمت، بدا أن صوتاً قد ارتفع، فتمايل الحشد مجدّداً؛ وبهديرٍ ارتدّوا إلى الوراء، متفرّقين حتى المكان الذي وقف فيه العجوز شوان، وكادوا يطرحونه أرضاً.

«هيه! نقود في يد، وبضاعة في اليد الأخرى!» رجلٌ يرتدي السواد بالكامل وقف أمام العجوز شوان، نظرته قاطعة كسكّينين، حتى انكمش العجوز شوان إلى نصف حجمه. إحدى يديه الكبيرتين ممدودة نحوه؛ والأخرى تمسك كعكة مانتو حمراء زاهية، لا يزال الأحمر يقطر منها قطرةً قطرة.

تلمّس العجوز شوان على عجلٍ القطع الفضية وحاول بيدٍ مرتجفة أن يناولها إياه، لكنه لم يجرؤ على أخذ ما يقدّمه الرجل. نفد صبر الرجل وصاح: «ممّا تخاف! لمَ لا تأخذها!» لا يزال العجوز شوان متردّداً؛ فانتزع الرجل الأسود الفانوس، نزع غطاءه الورقيّ، لفّ فيه المانتو، ودسّه في يد العجوز شوان. وبيدٍ واحدة خطف القطع الفضية، عصرها، استدار ومضى وهو يتمتم: «عجوز أحمق...»

«لمن هذا الدواء؟» خُيّل للعجوز شوان أن أحداً سأله، لكنه لم يُجب. كان كيانه بأسره مركّزاً على الرزمة؛ حملها كأنها طفلٌ وحيد وُلد بعد عشرة أجيال — كلّ شيء آخر كفّ عن الأهمية. أراد أن يزرع الحياة الجديدة في هذه الرزمة في بيته ويجني سعادةً عظيمة. أشرقت الشمس أيضاً؛ أمامه امتدّ طريقٌ عريض يقود مباشرةً إلى بيته. خلفه أضاءت الشمس الحروف الذهبية الباهتة على اللافتة المتداعية عند رأس المفترق: «القديم □ الجناح □».

٢

حين وصل العجوز شوان إلى البيت، كان الدكان نظيفاً ومرتّباً؛ صفوف من طاولات الشاي تلمع ناعمةً برّاقة. لكن لم يكن هناك زبائن — فقط شياو شوان جالسٌ إلى طاولة في الصفّ الخلفيّ يأكل. حبّات عرقٍ كبيرة تتدحرج على جبينه، وسترته المبطّنة ملتصقة بظهره، وكتفاه ناتئتان بحدّة مشكّلتين رقم ثمانية بارزاً. عند رؤية ابنه هكذا، لم يملك العجوز شوان إلا أن يقطّب حاجبيه اللذين كان قد أرخاهما للتوّ. خرجت زوجته مسرعةً من المطبخ، عيناها واسعتان ومفتوحتان، وشفتاها ترتعشان قليلاً.

«هل حصلتَ عليه؟»

«نعم.»

دخلا المطبخ معاً وتشاورا لبعض الوقت. ثم خرجت السيدة هوا وعادت سريعاً بورقة لوتس قديمة فرشتها على الطاولة. فتح العجوز شوان غطاء الفانوس وأعاد لفّ المانتو الأحمر في ورقة اللوتس. كان شياو شوان قد أنهى أكله؛ قالت أمّه على عجل:

«شياو شوان — ابقَ جالساً، لا تأتِ إلى هنا.»

بينما كانت تُعنى بالنار، دسّ العجوز شوان الرزمة الخضراء الزمرّدية والفانوس المكسور الأحمر والأبيض معاً في الموقد. حين اندلع لهيبٌ أحمر وأسود، انتشرت رائحة غريبة في أرجاء الدكان.

«ممم، يا لها من رائحة شهيّة! أيّ نوع من المعجّنات تأكلون؟» كان هذا الأحدب الخامس، الذي يقضي كلّ يوم في المقهى، دائماً أول مَن يصل وآخر مَن يغادر. كان قد تسلّل للتوّ إلى الطاولة في الزاوية المطلّة على الشارع، وجلس وسأل — لكن لم يُجبه أحد. «أرزّ مقلي؟» لا إجابة أيضاً. خرج العجوز شوان مسرعاً وسكب له الشاي.

«شياو شوان، ادخل!» نادت السيدة هوا ابنها إلى الغرفة الخلفية، حيث كان كرسيٌّ صغير قد وُضع في المنتصف. جلس. أحضرت أمّه صحناً عليه شيءٌ مستدير أسود فاحم وقالت بصوتٍ خفيض:

«كُلْ هذا — وستُشفى.»

أمسك شياو شوان الشيء الأسود، وتأمّله لبرهة — كأنه يمسك حياته بين يديه — وشعر بشيء لا يمكن وصفه من الغرابة. بحذرٍ شديد شقّه نصفين؛ من القشرة المتفحّمة انبعث بخارٌ أبيض، وحين تبدّد البخار ظهر نصفا كعكة مانتو من القمح الأبيض. بعد قليل كان كلّ شيء في معدته، لكنه نسي تماماً ما كان طعمه؛ أمامه لم يبقَ سوى صحنٍ فارغ. إلى جانبه وقف أبوه من جهة وأمّه من الأخرى؛ نظرات كليهما كانت تحاول أن تحقن في جسده شيئاً وفي الوقت نفسه تستخرج منه شيئاً. بدأ قلبه يخفق؛ ضغط بيديه على صدره، وانتابته نوبة سعال أخرى.

«نَمْ قليلاً — وستتحسّن.»

فعل شياو شوان ما قالته أمّه ونام وهو يسعل. انتظرت السيدة هوا حتى هدأ تنفّسه، ثم غطّته برفقٍ باللحاف المرقّع كثيراً.

٣

بحلول الظهيرة، كان الدكان مليئاً بالزبائن. جلس العجوز شوان يجول بالإبريق بين الطاولات، وتحت عينيه هالتان سوداوان. كان يصبّ الشاي بلا توقّف ولا مبالاة.

«يا عجوز شوان، ما بك اليوم؟ أأنتَ مريض أيضاً؟» سأل رجلٌ عجوز ذو لحية.

«لا.»

«لا؟ — لكنّ وجهك المبتسم يوحي بخلاف ذلك...» تابع الرجل.

«إنه مشغول وحسب! ابنه...» ابتدأ الأحدب الخامس، لكن قبل أن يُكمل جملته دخل رجلٌ ضخم الجثّة، ثيابه متّسخة، وحزامٌ أسود كبير ملفوف حول خصره. ما إن دخل حتى صاح:

«أكلها؟ ما حاله؟ يا عجوز شوان، محظوظٌ أنتَ حقاً! لولا أنني أسمع الأخبار دائماً وأعلم قبل الجميع!»

كان هذا هو الجزّار كانغ (康大叔). تراجع أهل الدكان عن طريقه بإجلالٍ ممزوج بخوف. جلس إلى أقرب طاولة وتمطّى:

«هذا الدواء مضمون! كعكة مانتو مغموسة في الدم الحار — دم مجرمٍ أُعدم لتوّه — تأكلها وقد اقتلعتَ السُّل من جذوره!»

أومأ العجوز شوان بامتنان، وبدأ يسكب الشاي.

«ذلك الأحمق! حقاً مجنون!» صاح كانغ وهو يتجرّع الشاي. «أتعرفون مَن أُعدم اليوم؟ ابنُ عائلة شيا (夏)! شيا يو (夏瑜) اسمه! ذلك المعتوه! حتى في السجن كان يحاول إقناع السجّان بالثورة! قال إن مملكة المانشو (满清天下) هي ملكنا نحن — نحن الصينيين!»

«يا للعجب! وما شأنه هو؟» قال الرجل ذو اللحية.

«السجّان ضربه — ضربه بقوة! لكن ذلك المجنون قال للسجّان: "أنا أشفق عليك!" — أرأيتم! يشفق على السجّان!» ضحك كانغ ضحكة مدوّية.

«السجّان هو عمّ شيا يو بالذات!» هتف أحد الجالسين. «ضربه ليحصل على مكافأة الوشاية! عشرون قطعة فضية! النقود لا تعرف القرابة!»

ضجّ الدكان بالضحك.

«وكيف حال ابن العجوز شوان؟ الكعكة المدماة... هل نفعت؟» سأل أحدهم.

«مضمونة!» أجاب كانغ بثقة. «دمٌ حارّ طازج — أنجع دواء في العالم!»

أومأ الجميع. لم يعد أحدٌ يتكلّم عن الثوريّ الميت.

٤

الأرض خارج البوّابة الغربية، على طول أساس سور المدينة، كانت أرضاً عامّة. في المنتصف مسارٌ ضيّق ملتوٍ دقّته أقدام المختصرين للطريق، لكنه صار حدّاً طبيعياً. على يسار المسار دُفن المُعدَمون ومَن ماتوا في السجن؛ وعلى اليمين رقدت مقابر الفقراء. كلا الجانبين متراصّان طبقةً فوق طبقة، كالمانتو المتكدّس في حفل عيد ميلاد ثريّ.

عيد تشينغ مينغ (清明) في تلك السنة كان بارداً بشكلٍ غير مألوف؛ أشجار الصفصاف لم تُخرج إلا براعم بنصف حجم حبّة أرز. بعد الفجر بقليل، كانت السيدة هوا راكعةً أمام قبرٍ جديد على الجانب الأيمن، قد وضعت أربعة أطباقٍ من الطعام ووعاءً من الأرز، وبكت لبعض الوقت. بعد أن أحرقت نقوداً ورقية، جلست على الأرض في ذهولٍ، كأنها تنتظر شيئاً — لكنها لم تكن لتستطيع تحديد ما هو. هبّت نسمة خفيفة وحرّكت شعرها القصير الذي بات أكثر بياضاً بوضوح مما كان في العام الماضي.

على المسار جاءت امرأة أخرى، هي أيضاً بشعرٍ أبيض إلى النصف، ترتدي ثياباً رثّة. كانت تحمل سلّة مستديرة قديمة من اللكّ الأحمر، تتدلّى منها سلسلة من سبائك الورق، وتتوقّف للراحة كلّ بضع خطوات. حين لاحظت فجأةً السيدة هوا جالسةً على الأرض تنظر إليها، ترددت؛ وعلى وجهها الشاحب كالموت ظهرت نظرة خجل. لكنها أخيراً جمعت شجاعتها، ومشت إلى قبرٍ على الجانب الأيسر، ووضعت سلّتها.

ذلك القبر وقبر شياو شوان كانا في صفٍّ واحد، لا يفصلهما إلا المسار الضيّق. راقبت السيدة هوا وهي ترتّب أربعة أطباق ووعاء أرز، تبكي واقفةً، ثم تحرق سبائك الورق. قالت في سرّها: «الذي في ذلك القبر كان ابناً أيضاً.» نظرت المرأة العجوز حولها لبعض الوقت، ثم فجأة بدأت يداها وقدماها ترتجفان؛ ترنّحت بضع خطوات إلى الوراء وحدّقت أمامها بعينين فارغتين.

خشيت السيدة هوا أن تفقد عقلها من الحزن، فلم تملك إلا أن تنهض وتخطو عبر المسار وتقول لها برفق: «لا تحزني هكذا يا جدّتي — فلنعد إلى البيت.»

أومأت المرأة، عيناها لا تزالان تحدّقان إلى الأعلى، وتلعثمت بصوتٍ خفيض: «انظري — انظري إلى هذا، ما هو؟»

تتبّعت السيدة هوا إصبعها المشير إلى القبر أمامها: العشب على التلّ لم يكن قد اتّصل بعد بالكامل، تاركاً بقعاً من التراب الأصفر العاري — منظرٌ قبيح. لكن حين دقّقت النظر في القمّة، لم تملك هي أيضاً إلا أن ترتعد — كان واضحاً: حلقة من الأزهار الحمراء والبيضاء تطوّق ذروة التلّ المدبّبة.

كانت عيون كلتيهما بعيدتَي النظر منذ سنوات، ومع ذلك استطاعتا تمييز الأزهار الحمراء والبيضاء بوضوح. لم تكن كثيرة؛ مرتّبة في دائرة منتظمة، ليست يانعة جداً لكنها منظّمة. نظرت السيدة هوا سريعاً إلى قبر ابنها والقبور الأخرى — لم يزهر عليها سوى بضع زهراتٍ باهتة خضراء بيضاء مقاومة للبرد، متناثرة هنا وهناك. شعرت بوخزة مفاجئة من الفراغ والنقص، لم تشأ أن تتعمّق فيها. مشت المرأة العجوز بضع خطواتٍ أقرب، ونظرت بإمعان، وتمتمت لنفسها: «هذه ليس لها جذور — لم تنبت من تلقاء نفسها. مَن سيأتي إلى هذا المكان؟ الأطفال لن يلعبوا هنا؛ والأقارب انقطعوا عن المجيء منذ زمن. ماذا يعني هذا؟» فكّرت وفكّرت، ثم فجأةً انهمرت دموعها مجدّداً وصرخت بصوتٍ عالٍ:

«يا يو إر (瑜儿)، لقد ظلموك، لكنك لا تستطيع أن تنسى، قلبك يتفطّر. هل أعطيتَ إشارةً اليوم لأعلم؟» نظرت حولها ولم ترَ سوى غرابٍ جاثم على شجرة عارية. تابعت: «فهمتُ الآن. — يا يو إر، هؤلاء البؤساء خانوك، لكنهم سينالون جزاءهم يوماً ما — السماء تعلم. أغمض عينيك وارقد بسلام. — إن كنتَ حقاً هنا وتسمع كلامي — فاجعل هذا الغراب يطير إلى قمّة قبرك لأراه.»

كانت النسمة قد هدأت منذ وقت؛ العشب الميت يقف منتصباً كأسلاك النحاس. صوتٌ مرتعش اهتزّ في الهواء، يصير أنحف فأنحف حتى اختفى — وساد حول كلّ شيء سكونُ الموت. وقفت المرأتان بين العشب الميت، وجهاهما مرفوعان نحو الغراب. والغراب أيضاً جاثمٌ بين الأغصان العارية المنتصبة، رأسه منكمش، واقفاً بلا حراك كأنه مسبوكٌ من حديد.

مرّ وقتٌ طويل؛ عدد زوّار المقابر ازداد شيئاً فشيئاً، بضعة كبار وصغار يتحرّكون بين التلال الترابية.

شعرت السيدة هوا، دون أن تعرف لماذا، بأن ثقلاً قد رُفع عن كتفيها، وفكّرت في المغادرة. قالت مشجِّعةً: «فلنعد إلى البيت.»

تنهّدت المرأة العجوز، وجمعت طعامها بفتور، وترددت لحظةً أخرى، ثم مشت ببطء وهي تتمتم لنفسها: «ماذا يعني هذا؟...»

لم تكونا قد ابتعدتا أكثر من عشرين أو ثلاثين خطوة حين ارتفع خلفهما فجأةً صوتٌ عالٍ — «قاع!» — ارتعدتا والتفتتا: كان الغراب قد نشر جناحيه، وانطلق، وانقضّ مباشرةً نحو السماء البعيدة كالسهم.

(أبريل ١٩١٩.)