Difference between revisions of "Lu Xun Complete Works/ar/Yao"

From China Studies Wiki
Jump to navigation Jump to search
(Add IT/RU/AR/HI to language bar)
Line 1: Line 1:
 
<div style="background-color: #003399; color: white; padding: 12px 15px; margin: 0 0 20px 0; border-radius: 4px; font-size: 1.1em; direction: rtl;">
 
<div style="background-color: #003399; color: white; padding: 12px 15px; margin: 0 0 20px 0; border-radius: 4px; font-size: 1.1em; direction: rtl;">
<span style="font-weight: bold;">اللغة:</span> [[Lu_Xun_Complete_Works/zh/Yao|ZH]] · [[Lu_Xun_Complete_Works/en/Yao|EN]] · [[Lu_Xun_Complete_Works/de/Yao|DE]] · [[Lu_Xun_Complete_Works/fr/Yao|FR]] · [[Lu_Xun_Complete_Works/es/Yao|ES]] · [[Lu_Xun_Complete_Works/it/Yao|IT]] · [[Lu_Xun_Complete_Works/ru/Yao|RU]] · <span style="color: #FFD700; font-weight: bold;">AR</span> · [[Lu_Xun_Complete_Works/hi/Yao|HI]] · [[Lu_Xun_Complete_Works/zh-en/Yao|ZH-EN]] · [[Lu_Xun_Complete_Works/zh-de/Yao|ZH-DE]] · [[Lu_Xun_Complete_Works/zh-fr/Yao|ZH-FR]] · [[Lu_Xun_Complete_Works/zh-es/Yao|ZH-ES]] · [[Lu_Xun_Complete_Works|→ الفهرس]]
+
<span style="font-weight: bold;">اللغة:</span> [[Lu_Xun_Complete_Works/zh/Yao|ZH]] · [[Lu_Xun_Complete_Works/es/Yao|ES]] · <span style="color: #FFD700; font-weight: bold;">AR</span> · [[Lu_Xun_Complete_Works|→ الفهرس]]
 
</div>
 
</div>
  
= الدواء (药) =
+
{| class="wikitable" style="float:left; margin-right:1em; width:300px; direction:rtl;"
 +
|-
 +
! colspan="2" | الدواء
 +
|-
 +
| '''المؤلف''' || لو شون (鲁迅)
 +
|-
 +
| '''العنوان''' || الدواء (药)
 +
|-
 +
| '''المجموعة''' || صرخة الحرب (呐喊)
 +
|-
 +
| '''النشر الأول''' || 1919
 +
|-
 +
| '''الترجمة''' || كلود / مارتن فوسلر
 +
|}
  
'''لو شون (鲁迅، Lǔ Xùn، ١٨٨١–١٩٣٦)'''
+
[[Lu_Xun_Complete_Works|العودة إلى الفهرس]]
  
من مجموعة '''صرخة الحرب''' (《呐喊》، ١٩٢٣)
+
= الدواء () =
  
ترجمة من الصينية إلى العربية.
+
من مجموعة '''صرخة الحرب''' (《呐喊》)
  
 
----
 
----
  
== الدواء ==
+
<div style="direction: rtl; text-align: right;">
  
=== ١ ===
+
== الفصل الأول ==
  
في النصف الثاني من ليلة خريفية، كان القمر قد غاب والشمس لم تشرق بعد؛ لم يبقَ سوى شريطٍ من سماءٍ زرقاء داكنة. ما عدا مخلوقات الليل، كان كلُّ شيء نائماً. نهض العجوز شوان من عائلة هوا (华) فجأةً، أشعل عوداً من الثقاب، وأضاء المصباح المغطّى بالشحم. امتلأت غرفتا المقهى بضوءٍ باهتٍ مُزرقّ.
+
في النصف الثاني من ليلة خريفية، كان القمر قد غاب والشمس لم تشرق بعد؛ لم يبقَ سوى شريط من السماء الزرقاء الداكنة. باستثناء مخلوقات الليل، كان كل شيء نائماً. العم شوان (华老栓) من عائلة هوا جلس فجأة، أشعل عود ثقاب، وأضاء المصباح المغطى بالشحم. امتلأت غرفتا المقهى بضوء شاحب مزرقّ.
  
«يا أبا شياو شوان، أتذهب الآن؟» جاء صوت امرأة عجوز. ومن الغرفة الخلفية الصغيرة انبعثت نوبة سعال.
+
«يا أبا شياو شوان، هل ستذهب الآن؟» جاء صوت امرأة عجوز. ومن الغرفة الداخلية الصغيرة جاءت نوبة سعال.
  
«هم.» أصغى العجوز شوان، أجاب، وزرّر سترته. مدّ يده: «ناوليني إيّاه
+
«هم.» أنصت العم شوان، أجاب، وزرّر سترته. مدّ يده: «أعطيني إياه
  
بحثت السيدة هوا طويلاً تحت الوسادة ثم أخرجت رزمة من القطع الفضية وناولتها للعجوز شوان. أخذها بيدٍ مرتجفة، دسّها في جيبه، وضغط عليها من الخارج مرّتين. ثم أشعل الفانوس، وأطفأ المصباح، ودخل الغرفة الخلفية. في الداخل حفيفٌ وهمس، ثم نوبة سعال. انتظر العجوز شوان حتى هدأت، ثم نادى بصوتٍ خفيض: «شياو شوان... لا تنهض. الدكان؟ أمّك ستتولّاه
+
بحثت السيدة هوا تحت الوسادة وقتاً طويلاً وأخرجت صرّة من القطع الفضية، سلّمتها للعم شوان. أخذها وهو يرتعش، ودسّها في جيبه، وضغط عليها مرتين من الخارج. ثم أشعل الفانوس، وأطفأ المصباح، ودخل الغرفة الداخلية. في الداخل، سُمع حفيف ما، أعقبته نوبة سعال. انتظر العم شوان حتى هدأت، ثم نادى بلطف: «شياو شوان... لا تقم. المتجر؟ أمك ستتولاه
  
حين لم يعد يسمع ابنه يتكلّم، ظنّ أنه عاد إلى النوم. خطا من الباب إلى الشارع. كان الشارع مظلماً حالكاً وخالياً؛ لم يكن يتّضح سوى طريقٍ أبيض رماديّ. سقط ضوء الفانوس على قدميه، إحداهما تتقدّم الأخرى. صادف بين الحين والآخر بضعة كلاب، لكن لم ينبح أيٌّ منها. كان الهواء أبرد بكثير من الداخل؛ غير أن العجوز شوان شعر بانتعاش، كأنه صار شاباً فجأة، مُتّقداً بقوى خارقة وقدرةٍ على منح الحياة. كانت خطواته عالية واسعة بشكلٍ غير معتاد، والطريق يزداد وضوحاً والسماء إشراقاً.
+
حين لم يسمع العم شوان ابنه يقول شيئاً آخر، افترض أنه عاد للنوم. خرج من الباب إلى الشارع. الشارع كان حالك الظلمة وخالياً؛ فقط طريق رمادي أبيض ظاهر بوضوح. ضوء الفانوس سقط على قدميه، واحدة تخطو أمام الأخرى. من حين لآخر صادف بضعة كلاب، لكن لم ينبح أيّ منها. الهواء كان أبرد بكثير من الداخل؛ ومع ذلك شعر العم شوان بانتعاش، كأنه أصبح فجأة شاباً من جديد، وهبه قوى خارقة والقدرة على منح الحياة. خطواته كانت عالية وواسعة بشكل غير عادي، والطريق يزداد وضوحاً، والسماء تزداد سطوعاً.
  
مستغرقاً تماماً في مشيه، فزع العجوز شوان فجأة: رأى في البعد مفترق طرقٍ على شكل حرف T يمتدّ واضحاً أمامه. تراجع بضع خطوات، وجد دكاناً مغلق الباب، انزلق تحت الإفريز ووقف متّكئاً على الباب. مضى وقتٌ طويل؛ بدأ البرد يسري في جسده.
+
منغمساً كلياً في المشي، انتفض العم شوان فجأة: في البعد رأى مفترق طرق على شكل حرف T يمتد أمامه بوضوح. تراجع بضع خطوات، وجد متجراً بابه مغلق، انزلق تحت الإفريز، ووقف متكئاً على الباب. بعد وقت طويل، بدأ يشعر بالبرد.
  
 
«هم، العجوز.»
 
«هم، العجوز.»
Line 33: Line 46:
 
«يبدو سعيداً بنفسه...»
 
«يبدو سعيداً بنفسه...»
  
فزع العجوز شوان مرة أخرى. حين فتح عينيه، كان عدّة أشخاص قد مرّوا أمامه. أحدهم التفت ونظر إليه — ملامحه لم تكن واضحة تماماً، لكن نظرته كانت كنظرة جائعٍ يرى الطعام، ومضة جشعٍ في عينيه. نظر العجوز شوان إلى فانوسه: كان قد انطفأ. تحسّس جيبه: الكتلة الصلبة لا تزال هناك. رفع رأسه ونظر في الاتجاهين: رأى أشكالاً غريبة كثيرة، اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة، تتراءى كالأشباح؛ لكن حين دقّق النظر، لم يلاحظ شيئاً آخر غريباً.
+
انتفض العم شوان مرة أخرى. حين فتح عينيه، كان عدة أشخاص قد مرّوا أمامه. أحدهم نظر إلى الخلف — ملامحه لم تكن واضحة جداً، لكن نظرته كانت كنظرة جائع يرى الطعام، وميض جشع في عينيه. نظر العم شوان إلى فانوسه: كان قد انطفأ. تحسّس جيبه: الكتلة الصلبة لا تزال هناك. نظر في الاتجاهين، ورأى أشكالاً غريبة كثيرة، مثنى وثلاث، تطوف كالأشباح؛ وحين دقّق النظر أكثر، لم يستطع تمييز شيء آخر غريب.
  
بعد قليل، ظهر بضعة جنود يسيرون هناك؛ الدوائر البيضاء الكبيرة على مقدّمة بزّاتهم وظهورها كانت مرئية حتى من بعيد، والذين مرّوا قريباً منه أمكنه تمييز الأشرطة الحمراء الداكنة على سُتراتهم. — وقْعُ أقدامٍ ثقيلة، وفي طرفة عين اندفع حشدٌ كبير. اندمجت المجموعات المتفرّقة فجأةً في كتلة واحدة واندفعت إلى الأمام كالمدّ؛ وعند مدخل المفترق توقّفت فجأةً وتجمّعت في نصف دائرة.
+
بعد قليل، ظهر بضعة جنود، يمشون هناك؛ الدوائر البيضاء الكبيرة على مقدمة ومؤخرة بزّاتهم كانت مرئية حتى من بعيد، وعلى من مرّ قريباً أمكن رؤية الحواف الحمراء الداكنة على ستراتهم أيضاً. — صوت أقدام، وفي لمح البصر اندفع حشد كبير. المجموعات المتفرقة اندمجت فجأة في كتلة واحدة واندفعت إلى الأمام كالمد؛ وحين وصلت إلى فم المفترق، توقفت فجأة وتجمّعت في نصف دائرة.
  
نظر العجوز شوان أيضاً في ذلك الاتجاه، لكنه لم يرَ سوى جدارٍ من الظهور؛ وكلّ الأعناق ممدودة طويلاً، كأنها بطٌّ كثير أمسكت بها يدٌ خفيّة وسحبتها إلى الأعلى. بعد لحظة صمت، بدا أن صوتاً قد ارتفع، فتمايل الحشد مجدّداً؛ وبهديرٍ ارتدّوا إلى الوراء، متفرّقين حتى المكان الذي وقف فيه العجوز شوان، وكادوا يطرحونه أرضاً.
+
نظر العم شوان أيضاً في ذلك الاتجاه، لكنه لم يرَ سوى جدار من الظهور؛ والأعناق كلها ممدودة طويلاً، كأنها بطّ كثير أمسكتها يد خفية وسحبتها إلى الأعلى. بعد لحظة صمت، بدا أن هناك صوتاً، والحشد تمايل مرة أخرى؛ وبهدير ارتدّوا إلى الخلف، متفرقين حتى حيث يقف العم شوان، وكادوا يسقطونه أرضاً.
  
«هيه! نقود في يد، وبضاعة في اليد الأخرىرجلٌ يرتدي السواد بالكامل وقف أمام العجوز شوان، نظرته قاطعة كسكّينين، حتى انكمش العجوز شوان إلى نصف حجمه. إحدى يديه الكبيرتين ممدودة نحوه؛ والأخرى تمسك كعكة مانتو حمراء زاهية، لا يزال الأحمر يقطر منها قطرةً قطرة.
+
«هيه! النقود بيد والبضاعة بيدرجل يرتدي السواد بالكامل وقف أمام العم شوان، عيناه كسكّينين تقطعان، جعلتا العم شوان ينكمش إلى نصف حجمه. يد كبيرة ممدودة نحوه؛ واليد الأخرى تمسك كعكة مانتو حمراء ساطعة، لا يزال الأحمر يقطر منها، قطرة قطرة.
  
تلمّس العجوز شوان على عجلٍ القطع الفضية وحاول بيدٍ مرتجفة أن يناولها إياه، لكنه لم يجرؤ على أخذ ما يقدّمه الرجل. نفد صبر الرجل وصاح: «ممّا تخاف! لمَ لا تأخذها!» لا يزال العجوز شوان متردّداً؛ فانتزع الرجل الأسود الفانوس، نزع غطاءه الورقيّ، لفّ فيه المانتو، ودسّه في يد العجوز شوان. وبيدٍ واحدة خطف القطع الفضية، عصرها، استدار ومضى وهو يتمتم: «عجوز أحمق...»
+
تلمّس العم شوان القطع الفضية بعجلة وحاول، وهو يرتعش، أن يسلّمها، لكنه لم يجرؤ على أخذ ما يقدمه الرجل. فقد الرجل صبره وصاح: «ممَ تخاف! لماذا لا تأخذه!» لا يزال العم شوان متردداً؛ فخطف الرجل ذو السواد الفانوس، ومزّق غلافه الورقي، ولفّ المانتو فيه، ودفعه إلى العم شوان. بيد واحدة أمسك القطع الفضية، وضغط عليها، واستدار وانصرف، وهو يتمتم: «عجوز أحمق...»
  
«لمن هذا الدواء؟» خُيّل للعجوز شوان أن أحداً سأله، لكنه لم يُجب. كان كيانه بأسره مركّزاً على الرزمة؛ حملها كأنها طفلٌ وحيد وُلد بعد عشرة أجيال — كلّ شيء آخر كفّ عن الأهمية. أراد أن يزرع الحياة الجديدة في هذه الرزمة في بيته ويجني سعادةً عظيمة. أشرقت الشمس أيضاً؛ أمامه امتدّ طريقٌ عريض يقود مباشرةً إلى بيته. خلفه أضاءت الشمس الحروف الذهبية الباهتة على اللافتة المتداعية عند رأس المفترق: «القديم الجناح □».
+
«لمن هذا الدواء؟» بدا أن العم شوان سمع أحداً يسأله، لكنه لم يجب. كيانه كله كان الآن مركّزاً على الصرّة؛ أمسكها كأنه يحتضن طفلاً وحيداً وُلد بعد عشرة أجيال — كل شيء آخر كفّ عن الأهمية. كان ينوي أن يزرع الحياة الجديدة في هذه الصرّة في بيته ويحصد سعادة عظيمة. أشرقت الشمس؛ أمامه طريق واسع يؤدي مباشرة إلى بيته. وخلفه، أضاءت الشمس الحروف الذهبية الباهتة على اللافتة المتداعية عند رأس المفترق: «□ جناح القديم».
  
=== ٢ ===
+
== الفصل الثاني ==
  
حين وصل العجوز شوان إلى البيت، كان الدكان نظيفاً ومرتّباً؛ صفوف من طاولات الشاي تلمع ناعمةً برّاقة. لكن لم يكن هناك زبائن — فقط شياو شوان جالسٌ إلى طاولة في الصفّ الخلفيّ يأكل. حبّات عرقٍ كبيرة تتدحرج على جبينه، وسترته المبطّنة ملتصقة بظهره، وكتفاه ناتئتان بحدّة مشكّلتين رقم ثمانية بارزاً. عند رؤية ابنه هكذا، لم يملك العجوز شوان إلا أن يقطّب حاجبيه اللذين كان قد أرخاهما للتوّ. خرجت زوجته مسرعةً من المطبخ، عيناها واسعتان ومفتوحتان، وشفتاها ترتعشان قليلاً.
+
حين عاد العم شوان إلى البيت، كان المتجر نظيفاً ومرتباً بالفعل؛ صفوف من طاولات الشاي تلمع ملساء ومشرقة. لكن لم يكن هناك زبائن — فقط شياو شوان يجلس إلى طاولة في الصف الخلفي يأكل. حبات عرق كبيرة تنزل على جبينه، سترته المبطنة تلتصق بعموده الفقري، وعظما كتفيه يبرزان بحدة، مشكّلين رقم ثمانية بارز. حين رأى العم شوان ابنه بهذا الحال، لم يستطع إلا أن يقطّب حاجبيه اللذين كانا قد استرخيا للتو. أسرعت زوجته من المطبخ، عيناها واسعتان، وشفتاها ترتجفان قليلاً.
  
«هل حصلتَ عليه؟»
+
«هل حصلت عليه؟»
  
 
«نعم.»
 
«نعم.»
  
دخلا المطبخ معاً وتشاورا لبعض الوقت. ثم خرجت السيدة هوا وعادت سريعاً بورقة لوتس قديمة فرشتها على الطاولة. فتح العجوز شوان غطاء الفانوس وأعاد لفّ المانتو الأحمر في ورقة اللوتس. كان شياو شوان قد أنهى أكله؛ قالت أمّه على عجل:
+
دخلا المطبخ معاً وتشاورا لبعض الوقت. ثم خرجت السيدة هوا وعادت سريعاً بورقة لوتس قديمة فرشتها على الطاولة. فتح العم شوان غلاف الفانوس وأعاد لفّ المانتو الأحمر في ورقة اللوتس. قالت أمه بسرعة:
  
 
«شياو شوان — ابقَ جالساً، لا تأتِ إلى هنا.»
 
«شياو شوان — ابقَ جالساً، لا تأتِ إلى هنا.»
  
بينما كانت تُعنى بالنار، دسّ العجوز شوان الرزمة الخضراء الزمرّدية والفانوس المكسور الأحمر والأبيض معاً في الموقد. حين اندلع لهيبٌ أحمر وأسود، انتشرت رائحة غريبة في أرجاء الدكان.
+
بينما كانت تُعنى بالنار، دسّ العم شوان الصرّة الخضراء الزمردية وغلاف الفانوس المكسور الأحمر والأبيض معاً في الموقد. ومع مرور لهب أحمر وأسود، انتشرت رائحة غريبة في المتجر.
  
«ممم، يا لها من رائحة شهيّة! أيّ نوع من المعجّنات تأكلون؟» كان هذا الأحدب الخامس، الذي يقضي كلّ يوم في المقهى، دائماً أول مَن يصل وآخر مَن يغادر. كان قد تسلّل للتوّ إلى الطاولة في الزاوية المطلّة على الشارع، وجلس وسأل — لكن لم يُجبه أحد. «أرزّ مقلي؟» لا إجابة أيضاً. خرج العجوز شوان مسرعاً وسكب له الشاي.
+
«ممم، رائحة طيبة! أيّ معجنات تأكلون؟» هذا كان الأحدب الخامس، الذي يقضي كل يوم في المقهى، دائماً الأول في الوصول والأخير في المغادرة. كان قد تسلل للتو إلى الطاولة في الزاوية المطلة على الشارع، وجلس، وسأل — لكن لم يُجبه أحد. «عصيدة أرز مقلي؟» لا إجابة أيضاً. أسرع العم شوان وسكب له الشاي.
  
«شياو شوان، ادخل!» نادت السيدة هوا ابنها إلى الغرفة الخلفية، حيث كان كرسيٌّ صغير قد وُضع في المنتصف. جلس. أحضرت أمّه صحناً عليه شيءٌ مستدير أسود فاحم وقالت بصوتٍ خفيض:
+
«شياو شوان، تعال إلى هنا!» نادت السيدة هوا شياو شوان إلى الغرفة الداخلية، حيث وُضع مقعد في الوسط. جلس. أحضرت أمه صحناً بشيء مستدير أسود كالفحم وقالت بلطف:
  
«كُلْ هذا — وستُشفى
+
«كُل هذا — وستتعافى
  
أمسك شياو شوان الشيء الأسود، وتأمّله لبرهة — كأنه يمسك حياته بين يديه — وشعر بشيء لا يمكن وصفه من الغرابة. بحذرٍ شديد شقّه نصفين؛ من القشرة المتفحّمة انبعث بخارٌ أبيض، وحين تبدّد البخار ظهر نصفا كعكة مانتو من القمح الأبيض. بعد قليل كان كلّ شيء في معدته، لكنه نسي تماماً ما كان طعمه؛ أمامه لم يبقَ سوى صحنٍ فارغ. إلى جانبه وقف أبوه من جهة وأمّه من الأخرى؛ نظرات كليهما كانت تحاول أن تحقن في جسده شيئاً وفي الوقت نفسه تستخرج منه شيئاً. بدأ قلبه يخفق؛ ضغط بيديه على صدره، وانتابته نوبة سعال أخرى.
+
التقط شياو شوان الشيء الأسود، ونظر إليه لبعض الوقت — كأنه يمسك حياته بين يديه — وشعر بشيء لا يُوصف من الغرابة. بحذر شديد فتحه من النصف؛ من القشرة المحترقة انطلقت نفثة بخار أبيض، وحين تبدد البخار، ظهر نصفان من كعكة قمح بيضاء. بعد قليل، كان كل شيء في معدته، رغم أنه نسي تماماً مذاقها؛ أمامه صحن فارغ فقط. بجانبه وقف أبوه من جهة وأمه من جهة؛ ونظراتهما بدت تحاول حقن شيء في جسمه وسحب شيء منه في الوقت نفسه. بدأ قلبه يخفق؛ فضغط بيديه على صدره، ونوبة سعال أخرى انتابته.
  
«نَمْ قليلاً — وستتحسّن
+
«نم قليلاً — وستكون أفضل
  
فعل شياو شوان ما قالته أمّه ونام وهو يسعل. انتظرت السيدة هوا حتى هدأ تنفّسه، ثم غطّته برفقٍ باللحاف المرقّع كثيراً.
+
فعل شياو شوان كما قالت أمه ونام، يسعل. انتظرت السيدة هوا حتى هدأ تنفسه، ثم غطّته بلطف باللحاف المرقّع كثيراً.
  
=== ٣ ===
+
== الفصل الرابع ==
  
بحلول الظهيرة، كان الدكان مليئاً بالزبائن. جلس العجوز شوان يجول بالإبريق بين الطاولات، وتحت عينيه هالتان سوداوان. كان يصبّ الشاي بلا توقّف ولا مبالاة.
+
الأرض خارج البوابة الغربية، على امتداد قاعدة سور المدينة، كانت أرضاً عامة. في وسطها يمرّ ممر ضيق ملتوٍ، نشأ من وطء أقدام من يأخذون الطريق المختصر، لكنه صار حدوداً طبيعية. على يسار الممر دُفن المُعدَمون ومن ماتوا في السجن؛ وعلى يمينه ترقد قبور الفقراء. كلا الجانبين مكدّسان طبقة فوق طبقة، كأكوام المانتو في عيد ميلاد رجل غني.
  
«يا عجوز شوان، ما بك اليوم؟ أأنتَ مريض أيضاً؟» سأل رجلٌ عجوز ذو لحية.
+
عيد تشينغمينغ في تلك السنة كان بارداً بشكل غير عادي؛ والصفصاف بالكاد أخرج براعم بنصف حجم حبة أرز. بُعيد الفجر، كانت السيدة هوا راكعة بالفعل أمام قبر حديث على الجانب الأيمن، وقد وضعت أربعة أطباق طعام ووعاء أرز، وبكت لبعض الوقت. بعد حرق النقود الورقية، جلست على الأرض شاردة، كأنها تنتظر شيئاً — لكنها ما كانت لتستطيع أن تقول ماذا. نسمة خفيفة هبّت وحرّكت شعرها القصير، الذي كان أبيض بشكل لا يُنكر أكثر من العام السابق.
  
«لا.»
+
على الممر جاءت امرأة أخرى، أيضاً بشعر نصفه أبيض، بملابس رثّة. تحمل سلة مستديرة قديمة مطلية بالأحمر بخيط من سبائك ورقية يتدلى منها، وتتوقف لتستريح كل بضع خطوات. حين لاحظت فجأة أن السيدة هوا جالسة على الأرض تنظر إليها، ترددت؛ وعلى وجهها الشاحب كالموت ارتسم تعبير خجل. لكنها في النهاية تشجّعت، ومشت إلى قبر على الجانب الأيسر، ووضعت سلّتها.
  
«لا؟ — لكنّ وجهك المبتسم يوحي بخلاف ذلك...» تابع الرجل.
+
ذلك القبر وقبر شياو شوان كانا في صف واحد، يفصلهما الممر الضيق فقط. راقبت السيدة هوا وهي ترتّب أربعة أطباق ووعاء أرز، تبكي واقفة، وتحرق سبائك ورقية. فكّرت سراً: «المدفون في ذلك القبر كان ابناً هو أيضاًنظرت المرأة العجوز حولها لبعض الوقت، ثم فجأة بدأت يداها وقدماها ترتعش؛ ترنحت إلى الخلف بضع خطوات وحدّقت أمامها بذهول.
  
«إنه مشغول وحسب! ابنه..ابتدأ الأحدب الخامس، لكن قبل أن يُكمل جملته دخل رجلٌ ضخم الجثّة، ثيابه متّسخة، وحزامٌ أسود كبير ملفوف حول خصره. ما إن دخل حتى صاح:
+
السيدة هوا، خشية أن تفقد صوابها من الحزن، لم تستطع إلا أن تنهض، تعبر الممر، وتقول لها بلطف: «لا تحزني هكذا يا جدة — لنعد إلى البيت
  
«أكلها؟ ما حاله؟ يا عجوز شوان، محظوظٌ أنتَ حقاً! لولا أنني أسمع الأخبار دائماً وأعلم قبل الجميع!»
+
أومأت المرأة، عيناها لا تزالان تحدّقان إلى الأعلى، وتمتمت بصوت خفيض: «انظري — انظري إلى هذا، ما هو؟»
  
كان هذا هو الجزّار كانغ (康大叔). تراجع أهل الدكان عن طريقه بإجلالٍ ممزوج بخوف. جلس إلى أقرب طاولة وتمطّى:
+
تبعت السيدة هوا إصبعها المشير نحو القبر أمامها: العشب على التلة لم يلتئم بالكامل بعد، تاركاً بقعاً من التربة الصفراء العارية — مشهد قبيح. لكن حين دققت النظر في القمة، لم تستطع هي أيضاً إلا أن تنتفض — كانت مرئية بوضوح حلقة من زهور حمراء وبيضاء تطوّق قمة التلة المدبّبة.
  
«هذا الدواء مضمون! كعكة مانتو مغموسة في الدم الحار دم مجرمٍ أُعدم لتوّه تأكلها وقد اقتلعتَ السُّل من جذوره!»
+
عيناهما كانتا بعيدتي النظر منذ سنوات كثيرة، ومع ذلك استطاعتا أن تريا بوضوح الأزهار الحمراء والبيضاء. لم تكن كثيرة؛ كانت مرتبة في حلقة منتظمة، ليست شديدة الحيوية، لكنها منظمة. نظرت السيدة هوا بسرعة إلى قبر ابنها والقبور الأخرى عليها تفتّحت فقط بضعة أزهار باردة شاحبة مخضرّة بيضاء، متفرقة. شعرت بوخزة مفاجئة من الفراغ والنقص، لم ترغب في تأمّلها. مشت المرأة العجوز بضع خطوات أقرب، ونظرت بعناية، وتمتمت لنفسها: «هذه ليس لها جذور لم تنمُ هنا من تلقاء نفسها. من سيأتي إلى هذا المكان؟ الأطفال لن يلعبوا هنا؛ والأقارب توقفوا عن المجيء منذ وقت طويل. ماذا يعني هذا؟» فكّرت وفكّرت، ثم فجأة سالت الدموع مرة أخرى وصاحت بصوت عالٍ:
  
أومأ العجوز شوان بامتنان، وبدأ يسكب الشاي.
+
«يوئر، ظلموك، لكنك لا تزال لا تنسى، قلبك يتفطّر. هل أعطيت إشارة اليوم، فقط لأعلم؟» نظرت حولها ولم ترَ سوى غراب جاثم على شجرة بلا أوراق. تابعت: «فهمتُ الآن. — يوئر، هؤلاء البؤساء خانوك، لكنهم سينالون جزاءهم يوماً — السماء تعلم. أغمض عينيك وارقد بسلام. — إن كنت حقاً هنا وتسمع كلامي — فاجعل هذا الغراب يطير إلى قمة قبرك، لأرى.»
  
«ذلك الأحمق! حقاً مجنون!» صاح كانغ وهو يتجرّع الشاي. «أتعرفون مَن أُعدم اليوم؟ ابنُ عائلة شيا (夏)! شيا يو (夏瑜) اسمه! ذلك المعتوه! حتى في السجن كان يحاول إقناع السجّان بالثورة! قال إن مملكة المانشو (满清天下) هي ملكنا نحن نحن الصينيين!»
+
كانت النسمة قد هدأت منذ وقت؛ والعشب الميت يقف منتصباً كأسلاك نحاسية. صوت مرتعش ارتجف في الهواء، يصبح أرفع وأرفع حتى اختفى وكل ما حول ساكن كالموت. المرأتان وقفتا بين العشب الميت، وجوههما مرفوعة نحو الغراب. والغراب أيضاً جاثم بين الفروع العارية المنتصبة، رأسه مسحوب، واقف بلا حراك كأنه مصبوب من الحديد.
  
«يا للعجب! وما شأنه هو؟» قال الرجل ذو اللحية.
+
مرّ وقت طويل؛ وعدد زوّار القبور ازداد تدريجياً، بضعة كبار وصغار يتحركون بين التلال الترابية.
  
«السجّان ضربه — ضربه بقوة! لكن ذلك المجنون قال للسجّان: "أنا أشفق عليك!" — أرأيتم! يشفق على السجّان!» ضحك كانغ ضحكة مدوّية.
+
السيدة هوا، دون أن تعرف لماذا، شعرت كأن عبئاً ثقيلاً رُفع عن كتفيها، وفكّرت في الرحيل. قالت مشجّعة: «لنعد إلى البيت.»
  
«السجّان هو عمّ شيا يو بالذات!» هتف أحد الجالسين. «ضربه ليحصل على مكافأة الوشاية! عشرون قطعة فضية! النقود لا تعرف القرابة!»
+
تنهدت المرأة العجوز، جمعت طعامها بفتور، ترددت لحظة أخرى، ثم أخيراً مشت ببطء وهي تتمتم لنفسها: «ماذا يعني هذا؟..
  
ضجّ الدكان بالضحك.
+
لم يمشيا أكثر من عشرين أو ثلاثين خطوة حين سُمع من خلفهما فجأة صياح عالٍ — «قاع!» ارتعشتا واستدارتا: الغراب كان قد نشر جناحيه، وأقلع، وانطلق مستقيماً نحو السماء البعيدة كالسهم.
  
«وكيف حال ابن العجوز شوان؟ الكعكة المدماة... هل نفعت؟» سأل أحدهم.
 
  
«مضمونة!» أجاب كانغ بثقة. «دمٌ حارّ طازج — أنجع دواء في العالم!»
+
(أبريل 1919.)
  
أومأ الجميع. لم يعد أحدٌ يتكلّم عن الثوريّ الميت.
+
</div>
 
 
=== ٤ ===
 
 
 
الأرض خارج البوّابة الغربية، على طول أساس سور المدينة، كانت أرضاً عامّة. في المنتصف مسارٌ ضيّق ملتوٍ دقّته أقدام المختصرين للطريق، لكنه صار حدّاً طبيعياً. على يسار المسار دُفن المُعدَمون ومَن ماتوا في السجن؛ وعلى اليمين رقدت مقابر الفقراء. كلا الجانبين متراصّان طبقةً فوق طبقة، كالمانتو المتكدّس في حفل عيد ميلاد ثريّ.
 
 
 
عيد تشينغ مينغ (清明) في تلك السنة كان بارداً بشكلٍ غير مألوف؛ أشجار الصفصاف لم تُخرج إلا براعم بنصف حجم حبّة أرز. بعد الفجر بقليل، كانت السيدة هوا راكعةً أمام قبرٍ جديد على الجانب الأيمن، قد وضعت أربعة أطباقٍ من الطعام ووعاءً من الأرز، وبكت لبعض الوقت. بعد أن أحرقت نقوداً ورقية، جلست على الأرض في ذهولٍ، كأنها تنتظر شيئاً — لكنها لم تكن لتستطيع تحديد ما هو. هبّت نسمة خفيفة وحرّكت شعرها القصير الذي بات أكثر بياضاً بوضوح مما كان في العام الماضي.
 
 
 
على المسار جاءت امرأة أخرى، هي أيضاً بشعرٍ أبيض إلى النصف، ترتدي ثياباً رثّة. كانت تحمل سلّة مستديرة قديمة من اللكّ الأحمر، تتدلّى منها سلسلة من سبائك الورق، وتتوقّف للراحة كلّ بضع خطوات. حين لاحظت فجأةً السيدة هوا جالسةً على الأرض تنظر إليها، ترددت؛ وعلى وجهها الشاحب كالموت ظهرت نظرة خجل. لكنها أخيراً جمعت شجاعتها، ومشت إلى قبرٍ على الجانب الأيسر، ووضعت سلّتها.
 
 
 
ذلك القبر وقبر شياو شوان كانا في صفٍّ واحد، لا يفصلهما إلا المسار الضيّق. راقبت السيدة هوا وهي ترتّب أربعة أطباق ووعاء أرز، تبكي واقفةً، ثم تحرق سبائك الورق. قالت في سرّها: «الذي في ذلك القبر كان ابناً أيضاً.» نظرت المرأة العجوز حولها لبعض الوقت، ثم فجأة بدأت يداها وقدماها ترتجفان؛ ترنّحت بضع خطوات إلى الوراء وحدّقت أمامها بعينين فارغتين.
 
 
 
خشيت السيدة هوا أن تفقد عقلها من الحزن، فلم تملك إلا أن تنهض وتخطو عبر المسار وتقول لها برفق: «لا تحزني هكذا يا جدّتي — فلنعد إلى البيت.»
 
 
 
أومأت المرأة، عيناها لا تزالان تحدّقان إلى الأعلى، وتلعثمت بصوتٍ خفيض: «انظري — انظري إلى هذا، ما هو؟»
 
 
 
تتبّعت السيدة هوا إصبعها المشير إلى القبر أمامها: العشب على التلّ لم يكن قد اتّصل بعد بالكامل، تاركاً بقعاً من التراب الأصفر العاري — منظرٌ قبيح. لكن حين دقّقت النظر في القمّة، لم تملك هي أيضاً إلا أن ترتعد — كان واضحاً: حلقة من الأزهار الحمراء والبيضاء تطوّق ذروة التلّ المدبّبة.
 
 
 
كانت عيون كلتيهما بعيدتَي النظر منذ سنوات، ومع ذلك استطاعتا تمييز الأزهار الحمراء والبيضاء بوضوح. لم تكن كثيرة؛ مرتّبة في دائرة منتظمة، ليست يانعة جداً لكنها منظّمة. نظرت السيدة هوا سريعاً إلى قبر ابنها والقبور الأخرى — لم يزهر عليها سوى بضع زهراتٍ باهتة خضراء بيضاء مقاومة للبرد، متناثرة هنا وهناك. شعرت بوخزة مفاجئة من الفراغ والنقص، لم تشأ أن تتعمّق فيها. مشت المرأة العجوز بضع خطواتٍ أقرب، ونظرت بإمعان، وتمتمت لنفسها: «هذه ليس لها جذور — لم تنبت من تلقاء نفسها. مَن سيأتي إلى هذا المكان؟ الأطفال لن يلعبوا هنا؛ والأقارب انقطعوا عن المجيء منذ زمن. ماذا يعني هذا؟» فكّرت وفكّرت، ثم فجأةً انهمرت دموعها مجدّداً وصرخت بصوتٍ عالٍ:
 
 
 
«يا يو إر (瑜儿)، لقد ظلموك، لكنك لا تستطيع أن تنسى، قلبك يتفطّر. هل أعطيتَ إشارةً اليوم لأعلم؟» نظرت حولها ولم ترَ سوى غرابٍ جاثم على شجرة عارية. تابعت: «فهمتُ الآن. — يا يو إر، هؤلاء البؤساء خانوك، لكنهم سينالون جزاءهم يوماً ما — السماء تعلم. أغمض عينيك وارقد بسلام. — إن كنتَ حقاً هنا وتسمع كلامي — فاجعل هذا الغراب يطير إلى قمّة قبرك لأراه.»
 
 
 
كانت النسمة قد هدأت منذ وقت؛ العشب الميت يقف منتصباً كأسلاك النحاس. صوتٌ مرتعش اهتزّ في الهواء، يصير أنحف فأنحف حتى اختفى — وساد حول كلّ شيء سكونُ الموت. وقفت المرأتان بين العشب الميت، وجهاهما مرفوعان نحو الغراب. والغراب أيضاً جاثمٌ بين الأغصان العارية المنتصبة، رأسه منكمش، واقفاً بلا حراك كأنه مسبوكٌ من حديد.
 
 
 
مرّ وقتٌ طويل؛ عدد زوّار المقابر ازداد شيئاً فشيئاً، بضعة كبار وصغار يتحرّكون بين التلال الترابية.
 
 
 
شعرت السيدة هوا، دون أن تعرف لماذا، بأن ثقلاً قد رُفع عن كتفيها، وفكّرت في المغادرة. قالت مشجِّعةً: «فلنعد إلى البيت.»
 
 
 
تنهّدت المرأة العجوز، وجمعت طعامها بفتور، وترددت لحظةً أخرى، ثم مشت ببطء وهي تتمتم لنفسها: «ماذا يعني هذا؟...»
 
 
 
لم تكونا قد ابتعدتا أكثر من عشرين أو ثلاثين خطوة حين ارتفع خلفهما فجأةً صوتٌ عالٍ — «قاع!» — ارتعدتا والتفتتا: كان الغراب قد نشر جناحيه، وانطلق، وانقضّ مباشرةً نحو السماء البعيدة كالسهم.
 
 
 
(أبريل ١٩١٩.)
 
  
 +
----
 +
[[Lu_Xun_Complete_Works|الفهرس: لو شون — الأعمال الكاملة]]
  
[[Category:Lu Xun]]
+
[[Category:Lu Xun Complete Works]]
[[Category:Chinese Literature]]
+
[[Category:Arabic]]
[[Category:Arabic Translations]]
 

Revision as of 23:00, 9 April 2026

اللغة: ZH · ES · AR · → الفهرس

الدواء
المؤلف لو شون (鲁迅)
العنوان الدواء (药)
المجموعة صرخة الحرب (呐喊)
النشر الأول 1919
الترجمة كلود / مارتن فوسلر

العودة إلى الفهرس

الدواء (药)

من مجموعة صرخة الحرب (《呐喊》)


الفصل الأول

في النصف الثاني من ليلة خريفية، كان القمر قد غاب والشمس لم تشرق بعد؛ لم يبقَ سوى شريط من السماء الزرقاء الداكنة. باستثناء مخلوقات الليل، كان كل شيء نائماً. العم شوان (华老栓) من عائلة هوا جلس فجأة، أشعل عود ثقاب، وأضاء المصباح المغطى بالشحم. امتلأت غرفتا المقهى بضوء شاحب مزرقّ.

«يا أبا شياو شوان، هل ستذهب الآن؟» جاء صوت امرأة عجوز. ومن الغرفة الداخلية الصغيرة جاءت نوبة سعال.

«هم.» أنصت العم شوان، أجاب، وزرّر سترته. مدّ يده: «أعطيني إياه.»

بحثت السيدة هوا تحت الوسادة وقتاً طويلاً وأخرجت صرّة من القطع الفضية، سلّمتها للعم شوان. أخذها وهو يرتعش، ودسّها في جيبه، وضغط عليها مرتين من الخارج. ثم أشعل الفانوس، وأطفأ المصباح، ودخل الغرفة الداخلية. في الداخل، سُمع حفيف ما، أعقبته نوبة سعال. انتظر العم شوان حتى هدأت، ثم نادى بلطف: «شياو شوان... لا تقم. المتجر؟ أمك ستتولاه.»

حين لم يسمع العم شوان ابنه يقول شيئاً آخر، افترض أنه عاد للنوم. خرج من الباب إلى الشارع. الشارع كان حالك الظلمة وخالياً؛ فقط طريق رمادي أبيض ظاهر بوضوح. ضوء الفانوس سقط على قدميه، واحدة تخطو أمام الأخرى. من حين لآخر صادف بضعة كلاب، لكن لم ينبح أيّ منها. الهواء كان أبرد بكثير من الداخل؛ ومع ذلك شعر العم شوان بانتعاش، كأنه أصبح فجأة شاباً من جديد، وهبه قوى خارقة والقدرة على منح الحياة. خطواته كانت عالية وواسعة بشكل غير عادي، والطريق يزداد وضوحاً، والسماء تزداد سطوعاً.

منغمساً كلياً في المشي، انتفض العم شوان فجأة: في البعد رأى مفترق طرق على شكل حرف T يمتد أمامه بوضوح. تراجع بضع خطوات، وجد متجراً بابه مغلق، انزلق تحت الإفريز، ووقف متكئاً على الباب. بعد وقت طويل، بدأ يشعر بالبرد.

«هم، العجوز.»

«يبدو سعيداً بنفسه...»

انتفض العم شوان مرة أخرى. حين فتح عينيه، كان عدة أشخاص قد مرّوا أمامه. أحدهم نظر إلى الخلف — ملامحه لم تكن واضحة جداً، لكن نظرته كانت كنظرة جائع يرى الطعام، وميض جشع في عينيه. نظر العم شوان إلى فانوسه: كان قد انطفأ. تحسّس جيبه: الكتلة الصلبة لا تزال هناك. نظر في الاتجاهين، ورأى أشكالاً غريبة كثيرة، مثنى وثلاث، تطوف كالأشباح؛ وحين دقّق النظر أكثر، لم يستطع تمييز شيء آخر غريب.

بعد قليل، ظهر بضعة جنود، يمشون هناك؛ الدوائر البيضاء الكبيرة على مقدمة ومؤخرة بزّاتهم كانت مرئية حتى من بعيد، وعلى من مرّ قريباً أمكن رؤية الحواف الحمراء الداكنة على ستراتهم أيضاً. — صوت أقدام، وفي لمح البصر اندفع حشد كبير. المجموعات المتفرقة اندمجت فجأة في كتلة واحدة واندفعت إلى الأمام كالمد؛ وحين وصلت إلى فم المفترق، توقفت فجأة وتجمّعت في نصف دائرة.

نظر العم شوان أيضاً في ذلك الاتجاه، لكنه لم يرَ سوى جدار من الظهور؛ والأعناق كلها ممدودة طويلاً، كأنها بطّ كثير أمسكتها يد خفية وسحبتها إلى الأعلى. بعد لحظة صمت، بدا أن هناك صوتاً، والحشد تمايل مرة أخرى؛ وبهدير ارتدّوا إلى الخلف، متفرقين حتى حيث يقف العم شوان، وكادوا يسقطونه أرضاً.

«هيه! النقود بيد والبضاعة بيد!» رجل يرتدي السواد بالكامل وقف أمام العم شوان، عيناه كسكّينين تقطعان، جعلتا العم شوان ينكمش إلى نصف حجمه. يد كبيرة ممدودة نحوه؛ واليد الأخرى تمسك كعكة مانتو حمراء ساطعة، لا يزال الأحمر يقطر منها، قطرة قطرة.

تلمّس العم شوان القطع الفضية بعجلة وحاول، وهو يرتعش، أن يسلّمها، لكنه لم يجرؤ على أخذ ما يقدمه الرجل. فقد الرجل صبره وصاح: «ممَ تخاف! لماذا لا تأخذه!» لا يزال العم شوان متردداً؛ فخطف الرجل ذو السواد الفانوس، ومزّق غلافه الورقي، ولفّ المانتو فيه، ودفعه إلى العم شوان. بيد واحدة أمسك القطع الفضية، وضغط عليها، واستدار وانصرف، وهو يتمتم: «عجوز أحمق...»

«لمن هذا الدواء؟» بدا أن العم شوان سمع أحداً يسأله، لكنه لم يجب. كيانه كله كان الآن مركّزاً على الصرّة؛ أمسكها كأنه يحتضن طفلاً وحيداً وُلد بعد عشرة أجيال — كل شيء آخر كفّ عن الأهمية. كان ينوي أن يزرع الحياة الجديدة في هذه الصرّة في بيته ويحصد سعادة عظيمة. أشرقت الشمس؛ أمامه طريق واسع يؤدي مباشرة إلى بيته. وخلفه، أضاءت الشمس الحروف الذهبية الباهتة على اللافتة المتداعية عند رأس المفترق: «□ جناح □ القديم».

الفصل الثاني

حين عاد العم شوان إلى البيت، كان المتجر نظيفاً ومرتباً بالفعل؛ صفوف من طاولات الشاي تلمع ملساء ومشرقة. لكن لم يكن هناك زبائن — فقط شياو شوان يجلس إلى طاولة في الصف الخلفي يأكل. حبات عرق كبيرة تنزل على جبينه، سترته المبطنة تلتصق بعموده الفقري، وعظما كتفيه يبرزان بحدة، مشكّلين رقم ثمانية بارز. حين رأى العم شوان ابنه بهذا الحال، لم يستطع إلا أن يقطّب حاجبيه اللذين كانا قد استرخيا للتو. أسرعت زوجته من المطبخ، عيناها واسعتان، وشفتاها ترتجفان قليلاً.

«هل حصلت عليه؟»

«نعم.»

دخلا المطبخ معاً وتشاورا لبعض الوقت. ثم خرجت السيدة هوا وعادت سريعاً بورقة لوتس قديمة فرشتها على الطاولة. فتح العم شوان غلاف الفانوس وأعاد لفّ المانتو الأحمر في ورقة اللوتس. قالت أمه بسرعة:

«شياو شوان — ابقَ جالساً، لا تأتِ إلى هنا.»

بينما كانت تُعنى بالنار، دسّ العم شوان الصرّة الخضراء الزمردية وغلاف الفانوس المكسور الأحمر والأبيض معاً في الموقد. ومع مرور لهب أحمر وأسود، انتشرت رائحة غريبة في المتجر.

«ممم، رائحة طيبة! أيّ معجنات تأكلون؟» هذا كان الأحدب الخامس، الذي يقضي كل يوم في المقهى، دائماً الأول في الوصول والأخير في المغادرة. كان قد تسلل للتو إلى الطاولة في الزاوية المطلة على الشارع، وجلس، وسأل — لكن لم يُجبه أحد. «عصيدة أرز مقلي؟» لا إجابة أيضاً. أسرع العم شوان وسكب له الشاي.

«شياو شوان، تعال إلى هنا!» نادت السيدة هوا شياو شوان إلى الغرفة الداخلية، حيث وُضع مقعد في الوسط. جلس. أحضرت أمه صحناً بشيء مستدير أسود كالفحم وقالت بلطف:

«كُل هذا — وستتعافى.»

التقط شياو شوان الشيء الأسود، ونظر إليه لبعض الوقت — كأنه يمسك حياته بين يديه — وشعر بشيء لا يُوصف من الغرابة. بحذر شديد فتحه من النصف؛ من القشرة المحترقة انطلقت نفثة بخار أبيض، وحين تبدد البخار، ظهر نصفان من كعكة قمح بيضاء. بعد قليل، كان كل شيء في معدته، رغم أنه نسي تماماً مذاقها؛ أمامه صحن فارغ فقط. بجانبه وقف أبوه من جهة وأمه من جهة؛ ونظراتهما بدت تحاول حقن شيء في جسمه وسحب شيء منه في الوقت نفسه. بدأ قلبه يخفق؛ فضغط بيديه على صدره، ونوبة سعال أخرى انتابته.

«نم قليلاً — وستكون أفضل.»

فعل شياو شوان كما قالت أمه ونام، يسعل. انتظرت السيدة هوا حتى هدأ تنفسه، ثم غطّته بلطف باللحاف المرقّع كثيراً.

الفصل الرابع

الأرض خارج البوابة الغربية، على امتداد قاعدة سور المدينة، كانت أرضاً عامة. في وسطها يمرّ ممر ضيق ملتوٍ، نشأ من وطء أقدام من يأخذون الطريق المختصر، لكنه صار حدوداً طبيعية. على يسار الممر دُفن المُعدَمون ومن ماتوا في السجن؛ وعلى يمينه ترقد قبور الفقراء. كلا الجانبين مكدّسان طبقة فوق طبقة، كأكوام المانتو في عيد ميلاد رجل غني.

عيد تشينغمينغ في تلك السنة كان بارداً بشكل غير عادي؛ والصفصاف بالكاد أخرج براعم بنصف حجم حبة أرز. بُعيد الفجر، كانت السيدة هوا راكعة بالفعل أمام قبر حديث على الجانب الأيمن، وقد وضعت أربعة أطباق طعام ووعاء أرز، وبكت لبعض الوقت. بعد حرق النقود الورقية، جلست على الأرض شاردة، كأنها تنتظر شيئاً — لكنها ما كانت لتستطيع أن تقول ماذا. نسمة خفيفة هبّت وحرّكت شعرها القصير، الذي كان أبيض بشكل لا يُنكر أكثر من العام السابق.

على الممر جاءت امرأة أخرى، أيضاً بشعر نصفه أبيض، بملابس رثّة. تحمل سلة مستديرة قديمة مطلية بالأحمر بخيط من سبائك ورقية يتدلى منها، وتتوقف لتستريح كل بضع خطوات. حين لاحظت فجأة أن السيدة هوا جالسة على الأرض تنظر إليها، ترددت؛ وعلى وجهها الشاحب كالموت ارتسم تعبير خجل. لكنها في النهاية تشجّعت، ومشت إلى قبر على الجانب الأيسر، ووضعت سلّتها.

ذلك القبر وقبر شياو شوان كانا في صف واحد، يفصلهما الممر الضيق فقط. راقبت السيدة هوا وهي ترتّب أربعة أطباق ووعاء أرز، تبكي واقفة، وتحرق سبائك ورقية. فكّرت سراً: «المدفون في ذلك القبر كان ابناً هو أيضاً.» نظرت المرأة العجوز حولها لبعض الوقت، ثم فجأة بدأت يداها وقدماها ترتعش؛ ترنحت إلى الخلف بضع خطوات وحدّقت أمامها بذهول.

السيدة هوا، خشية أن تفقد صوابها من الحزن، لم تستطع إلا أن تنهض، تعبر الممر، وتقول لها بلطف: «لا تحزني هكذا يا جدة — لنعد إلى البيت.»

أومأت المرأة، عيناها لا تزالان تحدّقان إلى الأعلى، وتمتمت بصوت خفيض: «انظري — انظري إلى هذا، ما هو؟»

تبعت السيدة هوا إصبعها المشير نحو القبر أمامها: العشب على التلة لم يلتئم بالكامل بعد، تاركاً بقعاً من التربة الصفراء العارية — مشهد قبيح. لكن حين دققت النظر في القمة، لم تستطع هي أيضاً إلا أن تنتفض — كانت مرئية بوضوح حلقة من زهور حمراء وبيضاء تطوّق قمة التلة المدبّبة.

عيناهما كانتا بعيدتي النظر منذ سنوات كثيرة، ومع ذلك استطاعتا أن تريا بوضوح الأزهار الحمراء والبيضاء. لم تكن كثيرة؛ كانت مرتبة في حلقة منتظمة، ليست شديدة الحيوية، لكنها منظمة. نظرت السيدة هوا بسرعة إلى قبر ابنها والقبور الأخرى — عليها تفتّحت فقط بضعة أزهار باردة شاحبة مخضرّة بيضاء، متفرقة. شعرت بوخزة مفاجئة من الفراغ والنقص، لم ترغب في تأمّلها. مشت المرأة العجوز بضع خطوات أقرب، ونظرت بعناية، وتمتمت لنفسها: «هذه ليس لها جذور — لم تنمُ هنا من تلقاء نفسها. من سيأتي إلى هذا المكان؟ الأطفال لن يلعبوا هنا؛ والأقارب توقفوا عن المجيء منذ وقت طويل. ماذا يعني هذا؟» فكّرت وفكّرت، ثم فجأة سالت الدموع مرة أخرى وصاحت بصوت عالٍ:

«يوئر، ظلموك، لكنك لا تزال لا تنسى، قلبك يتفطّر. هل أعطيت إشارة اليوم، فقط لأعلم؟» نظرت حولها ولم ترَ سوى غراب جاثم على شجرة بلا أوراق. تابعت: «فهمتُ الآن. — يوئر، هؤلاء البؤساء خانوك، لكنهم سينالون جزاءهم يوماً — السماء تعلم. أغمض عينيك وارقد بسلام. — إن كنت حقاً هنا وتسمع كلامي — فاجعل هذا الغراب يطير إلى قمة قبرك، لأرى.»

كانت النسمة قد هدأت منذ وقت؛ والعشب الميت يقف منتصباً كأسلاك نحاسية. صوت مرتعش ارتجف في الهواء، يصبح أرفع وأرفع حتى اختفى — وكل ما حول ساكن كالموت. المرأتان وقفتا بين العشب الميت، وجوههما مرفوعة نحو الغراب. والغراب أيضاً جاثم بين الفروع العارية المنتصبة، رأسه مسحوب، واقف بلا حراك كأنه مصبوب من الحديد.

مرّ وقت طويل؛ وعدد زوّار القبور ازداد تدريجياً، بضعة كبار وصغار يتحركون بين التلال الترابية.

السيدة هوا، دون أن تعرف لماذا، شعرت كأن عبئاً ثقيلاً رُفع عن كتفيها، وفكّرت في الرحيل. قالت مشجّعة: «لنعد إلى البيت.»

تنهدت المرأة العجوز، جمعت طعامها بفتور، ترددت لحظة أخرى، ثم أخيراً مشت ببطء وهي تتمتم لنفسها: «ماذا يعني هذا؟...»

لم يمشيا أكثر من عشرين أو ثلاثين خطوة حين سُمع من خلفهما فجأة صياح عالٍ — «قاع!» ارتعشتا واستدارتا: الغراب كان قد نشر جناحيه، وأقلع، وانطلق مستقيماً نحو السماء البعيدة كالسهم.


(أبريل 1919.)


الفهرس: لو شون — الأعمال الكاملة