Lu Xun Complete Works/ar/Yecao

From China Studies Wiki
< Lu Xun Complete Works
Revision as of 14:40, 9 April 2026 by Admin (talk | contribs) (Arabic translation of Yecao (Wild Grass))
(diff) ← Older revision | Latest revision (diff) | Newer revision → (diff)
Jump to navigation Jump to search

اللغة: ZH · ES · AR · → الفهرس

أعشاب برية (野草)

قصائد نثرية للو شون (鲁迅)، ١٩٢٤–١٩٢٦

ترجمة من الصينية إلى العربية.


الفهرس

  1. إهداء
  2. ليلة خريفية
  3. وداع الظل
  4. المتسول
  5. حبي الضائع
  6. انتقام
  7. انتقام (٢)
  8. أمل
  9. ثلج
  10. الطائرة الورقية
  11. قصة جميلة
  12. رد الكلب
  13. الجحيم الطيب المفقود
  14. نقش شاهد القبر
  15. في الحجاج
  16. نار ميتة
  17. ورقة مكبوسة
  18. ارتعاش خط الاندثار
  19. بين بقع الدم الخافتة
  20. محارب كهذا
  21. الحكيم والأحمق والعبد
  22. صحوة
  23. العابر
  24. بعد الموت

إهداء

إهداء

حين أصمت، أشعر بالامتلاء؛ وفي اللحظة التي أفتح فيها فمي، أشعر بالفراغ.

حياة الماضي قد ماتت. أمام هذا الموت أشعر بفرح عظيم، لأنني بفضله أعرف أنها عاشت ذات يوم. الحياة الميتة قد تعفنت. أمام هذا التعفن أشعر بفرح عظيم، لأنني بفضله أعرف أنها لم تكن فراغاً.

طين الحياة مُلقى على الأرض؛ لا يُنبت أشجاراً سامقة، إنما ينبت أعشاباً برية فحسب: ذلك ذنبي.

أعشاب برية: جذورها ليست عميقة، أزهارها وأوراقها ليست جميلة، ومع ذلك تمتص الندى، تمتص الماء، تمتص دم الموتى ولحمهم منذ أمد بعيد؛ كل شفرة تنتزع وجودها. لكنها حتى وهي موجودة، ستُداس، ستُحصد، حتى تموت وتتعفن.

لكنني مطمئن وقانع. سأضحك ملء الشدقين؛ سأغني.

أحب أعشابي البرية، لكنني أمقت الأرض التي تتزين بالأعشاب البرية.

النار الجوفية تجري تحت الأرض، جامحة؛ حين تندفع الحمم، ستحرق كل الأعشاب البرية والأشجار السامقة أيضاً، وعندها لن يبقى شيء ليتعفن.

لكنني مطمئن وقانع. سأضحك ملء الشدقين؛ سأغني.

السماء والأرض ساكنتان سكوناً رهيباً حتى لا أستطيع أن أضحك ملء الشدقين ولا أن أغني. حتى لو لم تكن السماء والأرض بهذا السكون الرهيب، ربما لما استطعت أيضاً. بحزمة الأعشاب البرية هذه، على عتبة بين النور والظلام، الحياة والموت، الماضي والمستقبل، أشهد أمام الأصدقاء والأعداء، البشر والوحوش، المحبين وغير المحبين.

من أجل نفسي، من أجل الأصدقاء والأعداء، البشر والوحوش، المحبين وغير المحبين، أتمنى أن يأتي موت هذه الأعشاب البرية وتعفنها سريعاً. وإلا فإنني لم أعش قط، وذلك أتعس من الموت والتعفن.

اذهبي إذن، يا أعشاباً برية، مع إهدائي!

٢٦ أبريل ١٩٢٧، سجّله لو شون في دار السحب البيضاء، في كانتون.


ليلة خريفية

ليلة خريفية

في حديقتي الخلفية، خلف الجدار، أستطيع رؤية شجرتين: إحداهما شجرة عنّاب، والأخرى أيضاً شجرة عنّاب.

السماء الليلية فوقهما، غريبة وعالية، لم أرَ في حياتي سماءً بهذا الغرابة والعلو. تبدو وكأنها تريد مغادرة عالم البشر، كي لا يراها من ينظر إلى الأعلى بعد الآن. لكنها الآن زرقاء بشكل استثنائي، تتلألأ بعيون عشرات النجوم: عيون باردة. في زاوية فمها تطل ابتسامة، كأنها تعتبر كل هذا ذا معنى عميق، وتنثر صقيعاً كثيفاً على أزهار وأعشاب حديقتي البرية.

لا أعرف الأسماء الحقيقية لتلك الأزهار والأعشاب، ولا كيف يسميها الناس. أذكر نوعاً أزهر ذات مرة أزهاراً وردية ضئيلة؛ لا يزال يزهر، لكن أضأل من أي وقت. في هواء الليل البارد يحلم وهو يرتجف: يحلم بقدوم الربيع، يحلم بقدوم الخريف، يحلم بأن شاعراً نحيلاً يمسح دموعه على بتلته الأخيرة ويقول له إنه وإن جاء الخريف وجاء الشتاء، فبعدهما يأتي الربيع، والفراشات ترفرف بجنون والنحل يغني أغانيه الربيعية. عندها يبتسم، رغم أن لونه متجمد في حمرة مؤلمة، ولا يزال يرتجف.

شجرتا العنّاب فقدتا تقريباً كل أوراقهما. قبل ذلك، كان طفل أو اثنان يأتيان لإسقاط الثمار التي تركها الآخرون؛ الآن لم تبقَ واحدة، حتى الأوراق سقطت كلها. الشجرة تعرف حلم الزهرة الوردية الصغيرة: بعد الخريف لا بد أن يأتي الربيع؛ وتعرف أيضاً حلم الأوراق المتساقطة: بعد الربيع يعود الخريف. فقدت تقريباً كل أوراقها، لم تبقَ سوى أغصان عارية، لكنها تحررت من الشكل المقوس الذي كانت عليه حين كانت محملة بالثمار والأوراق، فتتمطى برفاهية. بعض الأغصان لا تزال متدلية، تحمي جراح اللحاء التي خلفتها عصيّ القاطفين، بينما الأغصان الأكثر استقامة وطولاً تغرز نفسها صامتة، كالحديد، في السماء الغريبة العالية، تجعلها ترمش بعيونها الشبحية؛ تغرز مباشرة في القمر المكتمل، حتى يشحب القمر خجلاً.

السماء ذات العيون الشبحية تصبح أكثر زرقة بشكل استثنائي، تقلق، كأنها تريد مغادرة عالم البشر، الهروب من شجرتَي العنّاب، ولا تترك سوى القمر. لكن القمر أيضاً يتسلل نحو الشرق سراً. والأغصان العارية، التي لا تملك شيئاً، تواصل الغرز صامتة، كالحديد، في السماء الغريبة العالية، عازمة على قتلها، مهما نشرت من عيون ساحرة.

بصرخة، يمر طائر جارح ليلي.

فجأة أسمع ضحكة في منتصف الليل، ضحكة خافتة، كأنها لا تريد إزعاج النائمين، لكن الهواء كله يرن بالضحك. في منتصف الليل، لا أحد غيري؛ أدرك فوراً أن الصوت من فمي أنا، وعلى الفور تعيدني الضحكة إلى غرفتي. أرفع فتيل المصباح حالاً.

على زجاج النافذة الخلفية تُسمع طرقات: حشرات طائرة كثيرة تصطدم به. بعد قليل، يدخل عدد منها، ربما عبر ثقب في ورق النافذة. ما إن تدخل حتى تصطدم طاقّةً بزجاج غطاء المصباح. إحداها تنقض من الأعلى وتجد اللهب، وأعتقد أن هذا اللهب حقيقي. اثنتان أو ثلاث ترتاح على غطاء المصباح الورقي، لاهثة. الغطاء استُبدل البارحة: ورق أبيض كالثلج، مطوي في تموجات، مرسوم في زاويته غصن غردينيا قرمزي.

حين تتفتح الغردينيا القرمزية، ستحلم شجرة العنّاب مرة أخرى حلم الزهرة الوردية الصغيرة، منحنية في قوس أخضر وارف... أسمع ضحكة منتصف الليل مرة أخرى؛ أقطع أحلام يقظتي مسرعاً وأتأمل الحشرات الخضراء الصغيرة المستريحة على الغطاء الورقي الأبيض، كبيرة الرأس رفيعة الذيل، كبذور دوار الشمس، لكن بنصف حجم حبة قمح، جسدها كله من اليشم الأخضر الساحر والمؤلم. أتثاءب، أشعل سيجارة، أنفث الدخان، وفي صمت، على ضوء المصباح، أقدم سكيبة لهؤلاء الأبطال الرقيقين من اليشم الأخضر.

١٥ سبتمبر ١٩٢٤.


وداع الظل

وداع الظل

حين ينام المرء حتى ساعة مجهولة، يأتي الظل ليودع ويقول هذه الكلمات:

هناك أشياء تزعجني في السماء؛ لن أذهب. هناك أشياء تزعجني في الجحيم؛ لن أذهب. هناك أشياء تزعجني في عالمكم الذهبي القادم؛ لن أذهب.

لكنك أنت نفسك ما يزعجني.

يا صديقي، لم أعد أريد أن أتبعك، ولا أريد البقاء.

لا أريد!

آه، آه، لا أريد! أفضّل التجوال في مكان ليس بمكان.

لست سوى ظل، على وشك مفارقتك والغرق في الظلام. لكن الظلام سيبتلعني، والنور سيجعلني أتلاشى.

ومع ذلك لا أريد التجوال بين النور والظلام؛ أفضّل الغرق في الظلام.

لكنني في النهاية أتجول بين النور والظلام، لا أعرف أهو الغسق أم الفجر. في الوقت الحالي أرفع يدي الرمادية السوداء وأتظاهر بإفراغ كأس نبيذ؛ سأرحل وحيداً إلى البعيد في ساعة مجهولة.

آه، آه! لو كان الغسق، فالليل سيأتي حتماً ليبتلعني؛ وإلا فسأمحى بنور النهار، إن كان هذا الفجر.

يا صديقي، الساعة تقترب.

سأتجول نحو الظلام، نحو مكان ليس بمكان.

لا تزال تريد هدية وداع. ماذا أقدم لك؟ إن كان لا بد فليس سوى ظلام وفراغ. لكنني مستعد أن أكون ظلاماً فحسب، قد يتلاشى في نهارك؛ ومستعد أن أكون فراغاً فحسب، لن يشغل أبداً مكاناً في قلبك.

فليكن، يا صديقي: أرحل وحيداً إلى البعيد، بدونك، وبدون أي ظل آخر في الظلام. أنا وحدي سيبتلعني الظلام، وذلك العالم سيكون ملكي بأكمله.

٢٤ سبتمبر ١٩٢٤.


المتسول

المتسول

أمشي بمحاذاة الجدار العالي المتقشر، أدوس رماداً وتراباً ناعماً. آخرون يمشون أيضاً، كلٌّ في سبيله. تهب نسمة خفيفة؛ أغصان الأشجار العالية المطلة فوق الجدار، بأوراق لم تذبل بعد، تتمايل فوق رأسي.

تهب نسمة خفيفة؛ في كل مكان، ليس سوى رماد وتراب.

طفل يستجديني، يلبس هو أيضاً ثوباً مبطناً، لا يبدو حزيناً أبداً، يسد طريقي بالركوع ويتعقبني بالنحيب.

أمقت نبرته وأسلوبه. أحتقر أنه ليس حزيناً حقاً، أنه أشبه بلعبة؛ يزعجني تعقّبه لي بالنحيب.

أواصل المشي. آخرون يمشون أيضاً، كلٌّ في سبيله. تهب نسمة خفيفة؛ في كل مكان، ليس سوى رماد وتراب.

طفل آخر يستجديني، يلبس هو أيضاً ثوباً مبطناً، ولا يبدو حزيناً أيضاً، لكنه أبكم، يبسط يديه ويومئ.

أمقت إيماءاته. وربما ليس أبكم حقاً؛ ما هذا إلا أسلوب تسول.

لا أتصدق؛ ليس لدي قلب متصدق؛ إنما أضع نفسي فوق المتصدق وأمنح ضجراً وريبة ونفوراً.

أمشي بمحاذاة جدار الطين المنهار، طوب مكسور مكدّس في الثغرة، لا شيء وراء الجدار. تهب نسمة خفيفة، ترسل برد الخريف عبر ثوبي المبطن؛ في كل مكان، ليس سوى رماد وتراب.

أفكر كيف سأتسول أنا: هل أتكلم؟ بأي نبرة؟ هل أتظاهر بالبكم؟ بأي إيماءات؟...

آخرون يواصلون المشي، كلٌّ في سبيله.

لن أنال صدقة، ولا قلباً متصدقاً؛ سأنال ضجر وريبة ونفور من يضعون أنفسهم فوق المتصدق.

سأتسول بالسكون والصمت... على الأقل سأنال العدم.

تهب نسمة خفيفة؛ في كل مكان، ليس سوى رماد وتراب. آخرون يواصلون المشي، كلٌّ في سبيله. رماد وتراب، رماد وتراب...

......

رماد وتراب...

٢٤ سبتمبر ١٩٢٤.


حبي الضائع

حبي الضائع

— قصيدة هزلية جديدة على الطراز القديم

حبيبتي تسكن على سفح الجبل؛ أريد البحث عنها، لكن الجبل عالٍ جداً، أطأطئ رأسي — عبثاً — الدموع تبلل ثوبي.

حبيبتي أهدتني منديلاً بمائة فراشة؛ ماذا أهديها بالمقابل؟ بومة. منذ ذلك الحين أعطتني ظهرها وتجاهلتني. لماذا، آه لماذا، يرتجف قلبي.

حبيبتي تسكن في السوق الصاخب؛ أريد البحث عنها، لكن الزحام شديد، أرفع رأسي — عبثاً — الدموع تبلل أذنيّ.

حبيبتي أهدتني لوحة بسنونوين؛ ماذا أهديها بالمقابل؟ حلوى التفاح المسكّر على عود. منذ ذلك الحين أعطتني ظهرها وتجاهلتني. لماذا، آه لماذا، أنا في حيرة تامة.

حبيبتي تسكن عند النهر؛ أريد البحث عنها، لكن الماء عميق جداً، أميل رأسي — عبثاً — الدموع تبلل ياقتي.

حبيبتي أهدتني سلسلة ساعة ذهبية؛ ماذا أهديها بالمقابل؟ دواء تعرّق. منذ ذلك الحين أعطتني ظهرها وتجاهلتني. لماذا، آه لماذا، أصابني انهيار عصبي.

حبيبتي تسكن في قصر فخم؛ أريد البحث عنها، لكن آه، ليس لدي سيارة، أهز رأسي — عبثاً — الدموع تسقط كالقنّب المتشابك.

حبيبتي أهدتني وردة؛ ماذا أهديها بالمقابل؟ أفعى قرمزية. منذ ذلك الحين أعطتني ظهرها وتجاهلتني. لماذا، آه لماذا — فلتذهب إذن!

٣ أكتوبر ١٩٢٤.


انتقام

انتقام

جلد الإنسان لا يزيد سمكه ربما على نصف خط؛ خلفه مباشرة يجري دم أحمر حار في أوعية أكثف من جحافل اليرقات المتسلقة على الجدران، يشعّ حرارة. وهكذا يسحر كلٌّ منهما الآخر، يلهبه ويجذبه بتلك الحرارة، متوقاً بيأس للاقتراب والتقبيل والعناق، لبلوغ النشوة الكبرى للحياة.

لكن لو طعن أحدهم بنصل حاد مرة واحدة عبر ذلك الجلد الوردي الرقيق كالشاش، لرأى الدم الأحمر الحار يتدفق كالسهام، صاباً كل حرارته مباشرة على القاتل؛ ثم يمنحه أنفاساً جليدية، ويريه شفاهاً شاحبة، ويذيب إنسانيته في العدم، فيبلغ النشوة الكبرى للتحليق الأسمى للحياة؛ والذات نفسها تبقى للأبد غارقة في النشوة الكبرى للتحليق الأسمى للحياة.

وهكذا، هناك يقفان، عاريين، يقبضان على السكاكين، متقابلين فوق سهب شاسع مقفر.

هما على وشك العناق، على وشك القتل... يهرع المارة من كل الجهات، متراصين كاليرقات تتسلق جداراً، كالنمل يحاول حمل رأس سمكة. ملابسهم أنيقة، لكن أيديهم فارغة. ومع ذلك يهرعون من كل الجهات، يمدون أعناقهم بيأس، متلهفين لمشاهدة هذا العناق أو هذا القتل. يتذوقون بالفعل على ألسنتهم نكهة العرق أو الدم.

لكن الاثنين يبقيان متقابلين فوق السهب الشاسع المقفر، عاريين، قابضين على السكاكين، دون عناق ولا قتل، ولا أدنى نية للعناق أو القتل.

يبقيان هكذا إلى الأبد؛ جسداهما الممتلئان الحيان بدآ يذبلان، لكن لا يُظهران أدنى نية للعناق أو القتل.

عندها يشعر المارة بالملل؛ يحسون بالملل ينفذ من مسامهم، يحسون بالملل يزحف من قلوبهم عبر مسامهم، يزحف فوق السهب وينفذ في مسام الآخرين. يحسون بحلوقهم وألسنتهم جافة، وأعناقهم متعبة؛ في النهاية ينظرون إلى بعضهم ويتفرقون ببطء؛ يحسون حتى أنهم ذبلوا لدرجة فقدوا كل رغبة في الحياة.

وهكذا لا يبقى شيء سوى السهب الشاسع المقفر، والاثنان واقفان فيه، عاريان، قابضان على السكاكين، ذابلان؛ بنظرة الموتى يتأملان ذبول المارة — مذبحة كبرى دون دماء — ويبقيان للأبد غارقين في النشوة الكبرى للتحليق الأسمى للحياة.

٢٠ ديسمبر ١٩٢٤.


انتقام (٢)

انتقام (٢)

لأنه اعتبر نفسه ابن الله، ملك إسرائيل، ذهب ليُسمَّر على الصليب.

ألبسه الجنود ثوباً أرجوانياً، وضعوا على رأسه تاجاً من الأشواك وهتفوا له؛ ضربوا رأسه بقصبة، وبصقوا عليه، وركعوا أمامه؛ وحين انتهوا من السخرية، نزعوا الثوب الأرجواني وأعادوا له ثيابه. ها هم يضربون رأسه، ويبصقون عليه، ويعبدونه... رفض أن يشرب النبيذ الممزوج بالمُرّ؛ أراد أن يتذوق بوضوح وتمييز كيف يعامل بنو إسرائيل ابنَ إلههم، وأن يرثي أبدياً مستقبلَهم، بينما يبغض حاضرهم.

في كل مكان، ليس سوى عداوة: جديرة بالرثاء وجديرة باللعنة.

طنين، طنين: طرف المسمار يخترق الكف؛ سيصلبون ابن إلههم، يا أناساً جديرين بالرثاء!، والألم يبدو له رقيقاً. طنين، طنين: طرف المسمار يخترق ظهر القدم، يكسر عظماً؛ العذاب ينفذ إلى النخاع، لكنهم هم أنفسهم يصلبون ابن إلههم، يا أناساً ملعونين!، والألم يبدو له مريحاً. يُرفع الصليب؛ يتدلى في الفراغ.

لم يشرب النبيذ الممزوج بالمُرّ؛ أراد أن يتذوق بوضوح وتمييز كيف يعامل بنو إسرائيل ابنَ إلههم، وأن يرثي أبدياً مستقبلَهم، بينما يبغض حاضرهم.

المارة يشتمونه؛ رؤساء الكهنة والكتبة يسخرون منه؛ اللصان المصلوبان معه يهزآن به. ها هم، المصلوبون معه... في كل مكان، ليس سوى عداوة: جديرة بالرثاء وجديرة باللعنة.

في عذاب يديه وقدميه، يتذوق حزن الأناس الجديرين بالرثاء الذين يصلبون ابن الله، وفرح الأناس الملعونين الذين يصلبون ابن الله، وابن الله على وشك أن يُصلب. فجأة، العذاب الأعظم من العظام المكسورة ينفذ إلى النخاع، ويغرق في فرح عظيم ورثاء عظيم.

بطنه يتموج: موجة من الرثاء واللعنة والعذاب.

أظلمت الأرض كلها.

"إلهي، إلهي، لماذا تركتني!" تخلى عنه الله؛ في النهاية لم يكن سوى "ابن الإنسان". لكن بني إسرائيل صلبوا حتى "ابن الإنسان".

الذين صلبوا "ابن الإنسان" أشد تلطخاً بالدم ونتانة من الذين كانوا سيصلبون "ابن الله".

٢٠ ديسمبر ١٩٢٤.


أمل

أمل

قلبي وحيد بشكل غير معتاد.

ومع ذلك قلبي هادئ جداً: بلا حب ولا كراهية، بلا حزن ولا فرح، بلا لون ولا صوت.

لا بد أنني شخت. شعري صار أبيض، أليس ذلك واضحاً بما فيه الكفاية؟ يداي ترتعشان، أليس ذلك واضحاً بما فيه الكفاية؟ إذن لا بد أن يدي روحي ترتعشان أيضاً، وشعرها صار أبيض حتماً.

لكن ذلك كان منذ سنوات كثيرة.

قبل ذلك، كان قلبي أيضاً مفعماً بأغانٍ مبللة بالدم: دم وحديد، لهب وسم، استرداد وانتقام. ثم فجأة صار كل شيء فارغاً، رغم أنني كنت أملؤه أحياناً عمداً بأمل عاجز وخادع للنفس. أمل، أمل: بدرع الأمل هذا صددت ليل الفراغ المظلم، رغم أن خلف الدرع كان لا يزال ليل الفراغ المظلم يتربص.

ومع ذلك، هكذا بالضبط استُنفد شبابي تدريجياً. ألم أكن أعرف منذ زمن أن شبابي قد مضى؟ لكنني ظننت أن الشباب خارج ذاتي لا يزال قائماً: نجوم، ضوء قمر، فراشات متيبسة ساقطة، أزهار في الظلام، نعيق البوم المشؤوم، بكاء الوقواق الدموي، شفق الضحكة الخافت، رقصة الحب المحلّقة... حتى لو كان شباباً حزيناً وعابراً، كان شباباً في نهاية المطاف.

لكن لماذا كل شيء وحيد هكذا الآن؟ هل حتى الشباب خارج ذاتي رحل؟ هل حتى شباب العالم شاخوا؟

يجب أن أواجه وحدي ليل الفراغ المظلم هذا. ألقيت درع الأمل واستمعت إلى قصيدة "الأمل" لبيتوفي شاندور (١٨٢٣–١٨٤٩): ما هو الأمل؟ بغيّ: تغوي الجميع، تمنح نفسها للجميع؛ وحين تضحي بأثمن كنوزك — شبابك — تتخلى عنك.

هذا الشاعر الغنائي العظيم، وطني المجر، مات على رأس رمح قوزاقي دفاعاً عن وطنه، قبل خمسة وسبعين عاماً. محزن موته، لكن أشد حزناً أن شعره لم يمت حتى اليوم.

لكن يا لبؤس هذه الحياة! حتى شخص فخور وشجاع كبيتوفي توقف أخيراً أمام ليل الظلام ونظر نحو الشرق الشاسع. قال: اليأس باطل كالأمل. إن كان عليّ أن أسرق حياة في هذا "الباطل" بين النور والظلام، فسأبحث عن ذلك الشباب الراحل، الحزين والعابر، خارج ذاتي إن لزم الأمر. لأنه حين ينطفئ الشباب خارج ذاتي، سيذبل الغسق داخلي أيضاً.

لكن الآن لا نجوم ولا ضوء قمر، ولا فراشات متيبسة ساقطة، ولا شفق ضحكة، ولا رقصة حب محلّقة. ومع ذلك الشباب هادئون تماماً.

يجب أن أواجه وحدي ليل الفراغ المظلم هذا؛ وإن لم أجد شباباً خارج ذاتي، فعليّ على الأقل أن ألقي بغسقي في الميزان. لكن أين هو ليل الظلام؟ الآن لا نجوم، ولا ضوء قمر، ولا شفق ضحكة، ولا رقصة حب محلّقة؛ الشباب هادئون تماماً، وأمامي ليس حتى ليل ظلام حقيقي. اليأس باطل كالأمل!

١ يناير ١٩٢٥.


ثلج

ثلج

مطر البلاد الدافئة لم يتحول قط إلى ندف ثلج باردة صلبة متلألئة. العلماء يجدونه رتيباً. هل يعتبر هو نفسه تعيساً؟ لكن ثلج الجنوب ذو جمال فائق الروعة والإشراق؛ إنه خبر الشباب الذي لا يزال مستتراً، بشرة عذراء في أوج صحتها. في الفضاء المثلوج كاميليا بلون الدم كاللؤلؤ، وأزهار برقوق أحادية البتلات بيضاء بخفقة خضراء مزرقة، وأزهار شيمونانتوس صفراء عميقة جرسية الشكل؛ وتحت الثلج، أعشاب خضراء باردة لا تزال تنمو. الفراشات بالتأكيد ليست موجودة؛ هل جاء النحل لجمع رحيق الكاميليا والبرقوق، لا أذكر بوضوح. لكن أمام عينيّ أتخيل أزهاراً شتوية تتفتح في الفضاء المثلوج، ونحلاً كثيراً يطير مشغولاً، وأسمعها تطنّ في عملها.

الأطفال ينفخون في أيديهم الصغيرة، المتجمدة الحمراء كبراعم الزنجبيل الأرجوانية، ويأتون سبعة أو ثمانية معاً لنحت لوهان من الثلج. ولأنه لا ينجح، يأتي أبو أحدهم ليساعد. اللوهان يصبح أطول من الأطفال بكثير، رغم أنه ليس سوى كومة ضيقة من فوق وعريضة من تحت، ولا يستطيع أحد في النهاية أن يقول أهو قرعة أم لوهان؛ لكنه أبيض نقي جداً، لامع جداً، متماسك برطوبته ذاتها، متوهج ككتلة واحدة. يستخدم الأطفال بذور اللونغان لعينيه ويسرقون أحمر الشفاه من خزانة زينة إحدى الأمهات لتلوين شفتيه. هذه المرة بالفعل أرهات عظيم. وهكذا يجلس في الثلج بعينين متوهجتين وشفتين حمراوين ناصعتين.

في اليوم التالي يأتي بضعة أطفال لزيارته؛ يصفقون أمامه، ويومئون ويضحكون. لكنه في النهاية يبقى جالساً وحيداً. تأتي أيام مشمسة تذيب جلده؛ وليالٍ باردة تغطيه بطبقة جليد، فيتحول إلى ضرب من الكريستال المعتم؛ وأيام مشمسة أخرى تحوله إلى شيء لا اسم له، وأحمر شفتيه تلاشى تماماً.

لكن ندف ثلج الشمال، بعد أن ترقص بعنف، تبقى للأبد كالغبار، كالرمل؛ لا تتلاصق أبداً، متناثرة على الأسطح، على الأرض، على الأعشاب الميتة: هذا كل شيء. الثلج على الأسطح ذاب منذ زمن، بحرارة نيران ساكنيها. أما الباقي، تحت سماء صافية، حين تأتي زوبعة فجأة، يتصاعد بقوة، متلألئاً ببهاء تحت الشمس، كضباب عظيم يحتضن لهباً، يدور ويتصاعد، يملأ السماء كلها، يجعلها تدور وتتصاعد وتتلألأ.

فوق السهب اللامتناهي، تحت السماء القاسية، ما يدور ويتصاعد ويتلألأ هو روح المطر...

نعم، ذلك ثلج وحيد، مطر ميت: روح المطر.

١٨ يناير ١٩٢٥.


الطائرة الورقية

الطائرة الورقية

في شتاء بكين، الثلج لا يزال يغطي الأرض، أغصان عارية رمادية سوداء تتفرع في السماء الصافية، وفي البعد تطفو طائرة ورقية أو اثنتان؛ بالنسبة لي، مصدر دهشة وحزن.

في وطني، موسم الطائرات الورقية هو الشهر الثاني من الربيع؛ لو أصغيتَ لحفيف عجلات الرياح الصغيرة ونظرت إلى أعلى، لرأيت طائرة ورقية على شكل سلطعون بلون الحبر الخفيف أو طائرة ورقية على شكل حريش زرقاء فاتحة. وهناك أيضاً طائرات ورقية وحيدة من القرميد، بلا عجلات رياح، تحلق منخفضة جداً، بمظهر يتيم وأسيان. لكن في ذلك الوقت تكون صفصاف الأرض قد أورقت، وخوخ الجبل المبكر قد تفتح، ومع زينة الأطفال في السماء، تشكل لوحة واحدة من دفء الربيع.

لكنني لم أحب قط تطيير الطائرات الورقية؛ لم أكن فقط لا أحبه، بل كنت أمقته، إذ اعتبرته لهو أطفال عديمي الفائدة. عكسي كان أخي الأصغر، في العاشرة تقريباً آنذاك، كثير المرض، نحيل بشكل مؤلم، لكنه كان يعشق الطائرات الورقية أكثر من أي شيء. لم يستطع شراء واحدة، وأنا لم أسمح له بتطييرها، فلم يكن أمامه سوى أن يقف فاغر الفاه، يحدق في السماء مسحوراً، أحياناً لنصف يوم.

ذات يوم تذكرت فجأة أنني لم أكد أراه منذ أيام، رغم أنني أذكر رؤيته يجمع خيزراناً يابساً في الحديقة الخلفية. كمن أدرك الحقيقة فجأة، ركضت إلى غرفة صغيرة نادراً ما يدخلها أحد، مليئة بالأغراض المكدسة، دفعت الباب، ووجدته بالفعل وسط الفوضى المغبرة. كان جالساً على مقعد صغير أمام طاولة كبيرة؛ فزع ووقف، شحب وانكمش. مسنداً إلى الطاولة هيكل خيزراني لطائرة ورقية على شكل فراشة، لم يُغطَّ بالورق بعد؛ وعلى الطاولة زوج من عجلات رياح صغيرة للعينين، مزينة بشرائط ورقية حمراء، شبه مكتملة. في رضا اكتشاف سره، كنت أيضاً غاضباً لأنه صنع خلسة لعبة عديمة الفائدة. فوراً مددت يدي وكسرت عظم جناح الفراشة، ورميت العجلات على الأرض ودستها. في السن والقوة، لم يكن نداً لي؛ طبعاً حققت نصراً كاملاً، وخرجت متعجرفاً، تاركاً إياه واقفاً في الغرفة غارقاً في اليأس. ما حلّ به بعد ذلك، لم أعرف ولم يعنني.

لكن عقابي جاء أخيراً، بعد فترة طويلة من افتراقنا، وأنا في منتصف العمر. صادفت كتاباً أجنبياً عن الأطفال وعرفت أن اللعب هو النشاط الأكثر مشروعية للطفل، والألعاب ملائكة الطفولة. عندها انكشف أمام عيني ذلك المشهد من القسوة الروحية في طفولتي، المنسي منذ عشرين عاماً، وبدا قلبي كأنه تحول إلى كتلة رصاص، يغرق ثقيلاً جداً.

لكن القلب لم يغرق حتى ينكسر؛ إنما غرق ثقيلاً، ثقيلاً جداً.

عرفت أيضاً كيف أُصلح الضرر: أعطيه طائرة ورقية، أشجعه على تطييرها، أحثه، أطيّرها معه. نصرخ، نركض، نضحك. لكنه بحلول ذلك الوقت، مثلي، كانت لحيته قد طالت منذ زمن.

عرفت أيضاً أن هناك طريقة أخرى: طلب مغفرته، وانتظار أن يقول: "لا ألومك مطلقاً." عندها سيرتاح قلبي حتماً. ذات مرة حين التقينا، كانت خطوط مشقات الحياة محفورة عميقاً في وجهينا. بدأنا نتحدث تدريجياً عن ذكريات الطفولة، فرويت له هذا الحادث، معترفاً بحماقة شبابي.

"هل حدث ذلك حقاً؟" قال ضاحكاً مندهشاً، كأنه يسمع قصة شخص آخر. لم يتذكر شيئاً.

حين يُنسى كل شيء تماماً، دون أي ضغينة، أي مغفرة يمكن منحها؟ المغفرة دون ضغينة ليست سوى كذبة.

ماذا أرجو بعد؟ لن يملك قلبي إلا أن يبقى ثقيلاً.

الآن ربيع وطني يطفو مرة أخرى في سماء هذا المكان الغريب، يجلب لي ذكريات طفولة تلاشت منذ زمن ومعها حزن لا يقبض على شيء. لعلي أنسحب إلى قسوة الشتاء القاتلة، لكن في كل مكان شتاء عميق بوضوح، يضغط عليّ ببرده القارس.

٢٤ يناير ١٩٢٥.


قصة جميلة

قصة جميلة

المصباح يتقلص تدريجياً، معلناً أن الكيروسين يكاد ينفد؛ ولم يكن كيروسيناً جيداً أيضاً، وقد سوّد الغطاء بدخانه منذ وقت. المفرقعات تطقطق في كل مكان، ودخان التبغ يتصاعد بجانبي: كانت ليلة ناعسة.

أغمضت عيني وتراجعت، مستنداً إلى ظهر الكرسي؛ واليد التي تمسك كتاب «تشوشيويجي» مسترخية على ركبتي.

في الضبابية رأيت قصة جميلة.

هذه القصة كانت جميلة جداً، أنيقة ولذيذة. كثير من البشر الجميلين والأشياء الجميلة تتشابك كسماء من ديباج السحب، وعشرة آلاف نجم شهاب يبدو أنها تطير داخله، تنبسط في الوقت نفسه، بلا نهاية.

خُيّل إليّ أنني أتذكر ذات مرة كنت أجلس في قارب صغير أعبر طريق شانيين، وأشجار الشمع على الضفتين، والمحاصيل الفتية، والأزهار البرية، والدجاج، والكلاب، والأدغال والأشجار العارية، وأكواخ القش، والمعابد، والأبراج، والفلاحون والفلاحات، وفتيات القرية، والغسيل المنشور، والرهبان، ومعاطف القش والقبعات، والسماء، والسحب، والخيزران... كل ذلك ينعكس في النهر الصغير الصافي كاليشم، ومع كل ضربة مجداف، يجرف كل منها ضوء الشمس المتلألئ، مع عدس الماء والأسماك، الكل يتمايل معاً. كل انعكاس، كل شيء يتحلل ويتمايل ويتوسع ويندمج مع الآخرين؛ لكن بمجرد اندماجها تنكمش، عائدة تقريباً إلى أشكالها الأصلية. حوافها غير منتظمة كرؤوس غيوم الصيف، مطعّمة بضوء الشمس، تشع لهباً زئبقياً.

القصة التي رأيتها الآن كانت كذلك. على خلفية السماء الزرقاء في قاع الماء، كل الأشياء تتقاطع وتتحاك في نسيج واحد، حية دائماً، منبسطة دائماً: لم أستطع رؤية نهايتها.

كنت على وشك أن أحدّق فيها... لكن حين كنت على وشك ذلك، فزعت وفتحت عيني: ديباج السحب كان بالفعل مجعداً ومضطرباً، كأن أحداً ألقى حجراً كبيراً في النهر؛ ارتفعت الأمواج فجأة، ومزقت صفحة الانعكاسات كلها إلى أشلاء. لا إرادياً أمسكت بكتاب «تشوشيويجي» الذي كاد يسقط على الأرض؛ أمام عيني بقيت بضع شظايا قزحية.

كم أحببت هذه القصة الجميلة! بينما الشظايا لا تزال هناك، أردت استعادتها، إكمالها، حفظها. طرحت الكتاب، انحنيت إلى الأمام ومددت يدي إلى الفرشاة، لكن لم تبقَ شظية واحدة، فقط ضوء المصباح الخافت؛ لم أعد في القارب الصغير.

لكنني سأتذكر دائماً أنني رأيت هذه القصة الجميلة، في الليلة الناعسة...

٢٤ فبراير ١٩٢٥.


رد الكلب

رد الكلب

حلمت أنني أمشي في زقاق ضيق، بملابس وأحذية رثة، كمتسول. كلب بدأ ينبح خلفي.

التفتُّ بتعالٍ وصرخت: "مه! اصمت! أيها الكلب المتملّق!"

"هي هي"، ضحك، وتابع: "لا أجرؤ؛ أخجل من أنني لست كالبشر." "ماذا؟!" غضبت، شاعراً أن تلك إهانة قصوى. "أخجل: لا أزال لا أعرف التمييز بين النحاس والفضة؛ لا أزال لا أعرف التمييز بين القطن والحرير؛ لا أزال لا أعرف التمييز بين المسؤولين والعامة؛ لا أزال لا أعرف التمييز بين الأسياد والعبيد؛ لا أزال لا أعرف..."

فررت.

"انتظر! لنتحدث قليلاً أكثر..." صاح خلفي.

فررت مستقيماً، بأقصى سرعة، حتى فررت خارج الحلم واستلقيت على سريري.

٢٣ أبريل ١٩٢٥.


الجحيم الطيب المفقود

الجحيم الطيب المفقود

حلمت أنني مستلقٍ على سريري في برية جليدية مقفرة، بجانب الجحيم. صراخ الأشباح كلها كان مكتوماً لكن منتظماً، متناغماً مع هدير النيران، وغليان الزيت، وارتعاش الشوكات الفولاذية، مُشكّلاً موسيقى مُسكرة تعلن للعوالم الثلاثة: سلام في العالم السفلي.

رجل عظيم وقف أمامي، جميل، رحيم، جسده كله يشع نوراً؛ لكنني عرفت أنه الشيطان.

"انتهى كل شيء، انتهى كل شيء! الأشباح المسكينة فقدت جحيمها الطيب!" قال بحزن وغضب، وجلس وروى لي قصة يعرفها:

"حين صارت السماء والأرض بلون العسل، كان ذلك حين هزم الشيطان الآلهة وأمسك بالسلطة العظمى لحكم كل شيء. أخذ مملكة السماء، وأخذ عالم البشر، وأخذ الجحيم. ظهر شخصياً في الجحيم، جلس في وسطه، وجسده كله يشع نوراً عظيماً، ينير كل الأشباح."

"تصدّع الجحيم منذ زمن: أشجار السيوف فقدت بريقها؛ الزيت المغلي لم يعد يفور عند حوافه؛ كتل النار الكبيرة أحياناً لم تكن تنفث سوى لفائف من الدخان الأزرق، وفي البعد نبتت أزهار ماندارا، ضئيلة وشاحبة بشكل مؤلم."

"استيقظت الأشباح في زيت بارد ونار فاترة، رأت أزهار الجحيم الصغيرة في إشعاع الشيطان، شاحبة بشكل مؤلم، فسُحرت عميقاً؛ في لحظة تذكرت عالم البشر، تأملت لا أدري كم سنة، ثم جميعها معاً، ناظرة نحو عالم البشر، أطلقت صرخة تمرد واحدة ضد الجحيم."

"استجابت البشرية فوراً، ونصرت العدالة، وحاربت الشيطان. وأخيراً، بنشر خطط عظيمة وبسط شباك عظيمة، أجبرت الشيطان على الفرار من الجحيم. النصر النهائي: راية البشرية ترتفع الآن على أبواب الجحيم!"

"حين هتفت الأشباح بصوت واحد، كان مبعوث البشرية لإعادة تنظيم الجحيم قد وصل بالفعل، وجلس في الوسط، وبسلطة بشرية أمر كل الأشباح."

"حين أطلقت الأشباح صرخة تمرد أخرى، كانت قد أصبحت خائنة للبشرية ونالت عقاب اللعنة الأبدية: نُفيت إلى قلب غابة أشجار السيوف."

"البشرية الآن تحكم الجحيم كلياً، وسلطتها تفوق حتى سلطة الشيطان. رتّبت البشرية الفوضى: أولاً أعطت الحراس ذوي رؤوس الثيران أفضل العلف؛ ثم أوقدت النيران، وشحذت جبال السكاكين، وحوّلت الجحيم بالكامل، محت كل أثر لاندثاره السابق."

"ذبلت أزهار الماندارا فوراً. غلى الزيت كما من قبل؛ قطعت السيوف كما من قبل؛ أحرقت النار كما من قبل؛ أنّت الأشباح كما من قبل، وتلوّت كما من قبل، حتى لم يبقَ لها وقت لتتذكر الجحيم الطيب الذي فقدته."

"هذا انتصار البشرية ومأساة الأشباح..."

"يا صديقي، بدأت تشك بي. نعم، أنت بشري! سأذهب أبحث عن وحوش برية وأرواح شريرة..."

١٦ يونيو ١٩٢٥.


نقش شاهد القبر

نقش شاهد القبر

حلمت أنني واقف أمام شاهد قبر، أقرأ نقشه. بدت الحجارة من الحجر الرملي، متآكلة جداً، مغطاة بطحالب كثيفة؛ لم تبقَ سوى أسطر قليلة:

...أصابته قشعريرة وسط غناء نشوان؛ من السماء رأى الهاوية. في كل العيون رأى العدم؛ في اليأس المطلق وجد الخلاص...

...روح تائهة تحولت إلى أفعى طويلة، بأنياب سامة. ليس لتعض الآخرين: عضّت نفسها، حتى هلكت...

...ارحل!...

درت حول الشاهد وعندها رأيت القبر الوحيد، خالياً من عشب وأشجار، قد بدأ ينهار. عبر الشق الكبير لمحت الجثة: صدرها وبطنها ممزقان، القلب والكبد غائبان. لكن الوجه لم يُظهر تعبير حزن ولا فرح، فقط ضبابية كالدخان.

مليئاً بالخوف والريبة، لم أستطع الالتفات بالسرعة الكافية، لكنني كنت قد قرأت بالفعل الكلمات المتبقية على الجهة الخلفية للحجر:

...انتزاع القلب والتهامه ذاتياً، لمعرفة طعمه الحقيقي. ألم الجرح قاسٍ بشكل وحشي... كيف يمكن معرفة الطعم الحقيقي؟...

...حين يهدأ الألم، التهامه ببطء. لكن القلب قد شاخ بالفعل... كيف إذن يُعرف الطعم الحقيقي؟...

...أجبني. وإلا، ارحل!...

كنت على وشك الرحيل. لكن الجثة كانت قد جلست في القبر، شفتاها ساكنتان، ومع ذلك تكلمت:

"حين أصير تراباً، سترى ابتسامتي!"

أسرعت في المشي، لم أجرؤ على النظر خلفي، خشية أن أراها تتبعني.

١٧ يونيو ١٩٢٥.


في الحجاج

في الحجاج

حلمت أنني في قاعة مدرستي الابتدائية، أعدّ موضوع إنشاء، أسأل معلمي عن أسلوب الحجاج.

"صعب!" نظر إليّ المعلم، نظرته تنطلق مائلة من فوق حافة نظارته. "دعني أروي لك شيئاً:

"عائلة رُزقت بطفل، ففرحت الدار كلها. حين بلغ الشهر، أخرجوه لإراءة الضيوف، منتظرين بطبيعة الحال بضع كلمات ميمونة.

"أحدهم قال: 'هذا الطفل سيكون غنياً يوماً ما.' فنال شكراً صادقاً.

"آخر قال: 'هذا الطفل سيكون مسؤولاً يوماً ما.' فنال بعض المجاملات.

"وآخر قال: 'هذا الطفل سيموت يوماً ما.' فنال ضرباً مبرحاً من الجميع.

"أن الطفل سيموت أمر محتوم؛ أن يكون غنياً وشريفاً كذب على الأرجح. لكن الكاذب يُكافأ، وقائل الحقيقة يُضرب. والآن أنت..."

"أريد ألا أكذب ولا أُضرب. إذن يا معلم، كيف ينبغي أن أقول؟"

"إذن عليك أن تقول: 'آه! هذا الطفل! انظروا! يا له من... آي! ها ها! هيه هيه! هي، هيهيهيهي!'"

٨ يوليو ١٩٢٥.


نار ميتة

نار ميتة

حلمت أنني أركض بين جبال الجليد.

جبال جليد شاهقة تصل السماء المتجمدة؛ فوقها غيوم متجمدة كحراشف السمك. عند سفح الجبال، غابة أشجار جليدية بأغصان وإبر كالصنوبر والسرو. كل شيء متجمد، كل شيء أزرق شاحب مبيضّ.

فجأة سقطت في وادي جليدي.

فوق، تحت، من كل الجهات: تجمد، أزرق شاحب مبيضّ. لكن على كل الجليد الأزرق الشاحب رقدت ظلال حمراء لا تُحصى، متشابكة كشبكة مرجانية. نظرت إلى أسفل، عند قدمي: كانت هناك نار.

كانت ناراً ميتة. لها شكل اللهب المتّقد، لكنها لم تتحرك أبداً، متجمدة كأغصان المرجان؛ في طرفها دخان أسود متجمد، كأنها خرجت للتو من بيت محترق فاحترقت. هكذا منعكسة في جدران الجليد المحيطة، والانعكاسات تتبادل الانعكاس، مضاعفة إلى ما لا نهاية، محوّلة الوادي الجليدي إلى لون مرجاني أحمر.

ها ها!

في طفولتي كنت أعشق مراقبة الرغوة التي تثيرها السفن السريعة واللهب العنيف المتدفق من الأفران العالية. لم أكن أعشق المراقبة فحسب، بل أردت الرؤية بوضوح. لكنها كانت دائماً تتغير، لا تسكن أبداً. مهما حدّقت، لم تبقَ صورة ثابتة. نار ميتة، أخيراً وجدتك!

التقطت النار الميتة، على وشك فحصها عن قرب، لكن البرد أحرق أصابعي؛ ومع ذلك تحملت ووضعتها في جيبي. الوادي الجليدي المحيط عاد فوراً أزرق شاحب مبيضّاً. فكّرت في كيفية الهروب.

خيط من الدخان الأسود انبثق من جسدي كأفعى سلك. امتلأ الوادي الجليدي فوراً بلهب أحمر متدفق، حريق عظيم يحيط بي. نظرت إلى أسفل: النار الميتة كانت تحترق، أحرقت ثيابي وتدفقت على أرضية الجليد.

"آه، يا صديقي. بحرارتك أيقظتني،" قالت.

سارعت بتحيتها وسألتها عن اسمها.

"هُجرت ذات مرة في هذا الوادي الجليدي،" قالت، دون أن تجيب عن السؤال. "الذين هجروني هلكوا واختفوا منذ زمن. أنا أيضاً كدت أموت تجمداً. لو لم تمنحني حرارتك وتجعلني أشتعل مرة أخرى، لكنت انطفأت قريباً."

"يقظتك تفرحني. كنت أفكر في كيفية الهروب من هذا الوادي الجليدي؛ أريد أن آخذك معي، كي لا تتجمدي أبداً وتشتعلي إلى الأبد."

"آه! عندها سأحترق!"

"أن تحترقي سيحزنني. إذن سأتركك هنا."

"آه! عندها سأتجمد وأنطفئ!"

"إذن ماذا نفعل؟"

"لكنك أنت، ماذا ستفعل؟" سألتني بدورها.

"قلت بالفعل: أريد الخروج من هذا الوادي الجليدي..."

"إذن من الأفضل أن أحترق!"

فجأة قفزت كمذنّب أحمر، أخرجتني من فم الوادي الجليدي. عربة حجرية ضخمة كانت تندفع نحونا بأقصى سرعة؛ سُحقت تحت عجلاتها. لكن لا يزال لدي وقت لأرى العربة تندفع داخل الوادي الجليدي.

"ها ها! لن تجد ناراً ميتة أبداً بعد الآن!" قلت ضاحكاً منتصراً، كأنني أردت ذلك.

٢٣ أبريل ١٩٢٥.


ورقة مكبوسة

ورقة مكبوسة

وأنا أقرأ كتاب «يانمنجي» تحت المصباح، سقطت فجأة من بين الصفحات ورقة قيقب مكبوسة وجافة.

ذكّرتني بأواخر خريف العام الماضي. صقيع كثيف هبط ليلاً، سقطت معظم الأوراق، وشجرة القيقب الصغيرة أمام الفناء احمرّت. تجولت حول الشجرة، أفحص ألوان الأوراق عن قرب؛ حين كانت خضراء لم ألتفت إليها قط بهذا الاهتمام. الشجرة كلها لم تكن حمراء؛ معظم الأوراق كانت بلون القرمزي الخفيف، وبضع منها كانت بخلفية قرمزية عليها بقع خضراء داكنة. ورقة واحدة كان فيها ثقب يرقة صغير، محاط بحاشية سوداء، وبين رقش الأحمر والأصفر والأخضر، تحدّق فيك كعين براقة. فكّرت: هذه ورقة مريضة! فقطفتها ووضعتها في كتاب «يانمنجي» الذي اشتريته للتو. أظن أنني أردت أن تُحفظ تلك الألوان — المنخورة لكن الرائعة، على وشك السقوط — لبعض الوقت، ولا تتناثر مع بقية الأوراق.

لكنها الليلة ترقد أمامي، صفراء كالشمع، وتلك العين لم تعد تبرق كالعام الماضي. بعد سنوات أخرى، حين تتلاشى الألوان القديمة من ذاكرتي، ربما لن أعرف أنا نفسي لماذا هي مكبوسة بين هذه الصفحات. روعة الورقة المريضة على وشك السقوط لا يمكن تأملها إلا للحظة أقصر؛ فما بالك بالخضرة الوارفة. أنظر من النافذة، حتى أكثر الأشجار تحملاً للبرد فقدت أوراقها منذ زمن؛ القيقب لا يستحق حتى الذكر. في أواخر الخريف لا بد أن هناك أوراقاً مريضة مشابهة لتلك التي كانت العام الماضي، لكن للأسف، هذا العام لم يتح لي الوقت لتأمل أشجار الخريف.

٢٦ ديسمبر ١٩٢٥.


ارتعاش خط الاندثار

ارتعاش خط الاندثار

حلمت أنني أحلم. لم أعرف أين أنا، لكن أمام عيني كان باطن كوخ صغير مغلق بإحكام في ليل عميق، وفي الوقت نفسه رأيت غابة السرخس الكثيفة على السطح.

غطاء المصباح على الطاولة الخشبية نُظّف للتو، فأضاء الكوخ بشكل غير معتاد. في النور، على الفراش المتهالك، تحت كتلة لحم ضخمة مشعرة مجهولة، جسد هزيل ضئيل يرتعش: من الجوع، والألم، والدهشة، والخزي، والنشوة. الجلد المترهل لكن الممتلئ يلمع؛ والوجنتان الشاحبتان تكتسيان حمرة خفيفة، كأحمر شفاه مطلي على الرصاص.

المصباح أيضاً انكمش من الفزع؛ والفجر بدأ يبزغ من الشرق.

لكن في الهواء لا تزال تتمايل أمواج الجوع والألم والدهشة والخزي والنشوة...

"ماما!" طفلة بعمر سنتين تقريباً، أيقظها صوت الباب، نادت من الركن حيث ترقد على الأرض، محاطة بحصائر القصب.

"لا يزال مبكراً، نامي قليلاً!" قالت بفزع.

"ماما! أنا جائعة، بطني يؤلمني. هل سيكون لدينا شيء نأكله اليوم؟"

"اليوم لدينا طعام. قريباً سيأتي بائع فطائر السمسم، وأمك ستشتري لك." مرتاحة، ضغطت أكثر على القطعة الفضية الصغيرة في كفها؛ صوتها الضعيف يرتعش بحزن وهي تمشي نحو الركن، تنظر إلى ابنتها، تزيح الحصيرة وترفعها لتضعها على الفراش المتهالك.

"لا يزال مبكراً، نامي قليلاً،" قالت، وفي الوقت نفسه رفعت عينيها وتأملت — دون ما تروي لأحد — السماء فوق السقف المتهالك.

فجأة نشأت موجة جديدة عظيمة في الهواء، اصطدمت بالسابقة، دارت في دوامة، ابتلعت كل شيء بما فيه أنا؛ لم أستطع التنفس من أنفي ولا فمي.

أنّيت واستيقظت؛ خارج النافذة كان ضوء القمر الفضي، والفجر بدا لا يزال بعيداً.

لم أعرف أين أنا، لكن أمام عيني كان باطن كوخ صغير مغلق في ليل عميق: عرفت أن الحلم يتواصل. لكن سنوات كثيرة مرت. الكوخ الآن مرتب من الداخل والخارج؛ في الداخل زوجان شابان ومجموعة أطفال، كلهم ينظرون إلى عجوز بامتعاض واحتقار.

"لا نستطيع مواجهة أحد، وكل ذلك بسببك،" قال الرجل بغضب. "تظنين أنك ربيتِها، لكنك في الحقيقة دمرتِها. كان الأفضل لو ماتت جوعاً وهي طفلة!"

"أنتِ مَن جعلتِ حياتي كلها مذلة!" قالت المرأة.

"وجرّتِني أنا أيضاً!" قال الرجل.

"وهم أيضاً!" قالت المرأة، مشيرة إلى الأطفال.

الأصغر كان يلعب بورقة قصب جافة؛ الآن لوّحها في الهواء كسيف فولاذي وصرخ: "لنقتل!"

زاويتا فم العجوز ارتعشتا؛ للحظة تصلبت، ثم هدأ كل شيء. بعد قليل نهضت بارتياح بارد، عظمية كتمثال حجري. فتحت الباب الخشبي، خرجت إلى الليل العميق، تاركة وراءها كل اللعنات الباردة والضحكات السامة.

مشت ومشت في الليل العميق، حتى وصلت إلى برية بلا حدود؛ في كل مكان برية، فوقها السماء العالية فقط، بلا حشرة واحدة ولا طائر يطير. عارية، واقفة كتمثال حجري وسط البرية، في لحظة واحدة رأت كل الماضي: الجوع، الألم، الدهشة، الخزي، النشوة، فارتعشت؛ الأذى، المذلة، الدمار، فانتفضت؛ القتل، فسكنت. ...في لحظة أخرى صهرت كل شيء معاً: التوق والفراق، الحنان والانتقام، التربية والإبادة، البركة واللعنة... ثم رفعت يديها أعلى ما تستطيع نحو السماء، ومن بين شفتيها انبعثت أصوات نصف بشرية نصف حيوانية، ليست من عالم البشر، وبالتالي بلا كلمات.

حين ألقت هذا الخطاب بلا كلمات، كل سطح جسدها الكبير — كتمثال حجري، لكنه بالفعل مهجور ومتهالك — ارتعش. هذا الارتعاش كان كحراشف السمك، نقطة نقطة، كل حرشفة تتحرك كماء يغلي فوق نار عنيفة؛ والهواء فوراً ارتعش معه، كأمواج بحر مقفر في عاصفة.

ثم رفعت عينيها نحو السماء، وحتى الخطاب بلا كلمات سقط في صمت مطلق؛ لم يبقَ سوى الارتعاش، يشعّ كضوء الشمس، يرسل أمواج الهواء في دوران فوري، كأنها ضُربت بإعصار، تتهيج بعنف عبر البرية اللامتناهية.

كنت أرى كابوساً، لكنني عرفت أن ذلك لأنني وضعت يدي على صدري؛ في الحلم استخدمت كل قوتي لإزاحة تلك اليد الثقيلة بشكل مرعب.

٢٩ يونيو ١٩٢٥.


بين بقع الدم الخافتة

بين بقع الدم الخافتة

— في ذكرى بعض الموتى والأحياء ومن لم يولدوا بعد

صانع عصرنا لا يزال جباناً.

في السر يجعل السماء والأرض تتغيران، لكنه لا يجرؤ على تدمير هذا الكوكب؛ في السر يجعل الكائنات الحية تذوي، لكنه لا يجرؤ على حفظ كل الجثث إلى الأبد؛ في السر يجعل البشرية تنزف، لكنه لا يجرؤ على إبقاء لون الدم ناصعاً دائماً؛ في السر يجعل البشرية تعاني، لكنه لا يجرؤ على جعل البشرية تتذكر إلى الأبد.

إنما يفكر في أبناء جنسه: الجبناء بين البشر. يستخدم الخرائب والقبور المهجورة لإبراز البيوت الفاخرة؛ يستخدم الزمن لتخفيف المعاناة وبقع الدم؛ يوماً بعد يوم يصبّ كأس نبيذ حلو مرّ، لا أقل ولا أكثر، بما يكفي لسُكر خفيف، ويقدمه لعالم البشر، كي يتمكن الشاربون من البكاء والغناء، نصف مستيقظين نصف سكارى، نصف واعين نصف جاهلين، نصف راغبين في الموت نصف راغبين في الحياة. عليه أن يضمن أن الجميع يريدون الحياة أيضاً؛ لا يملك بعد شجاعة إبادة البشرية.

بضع خرائب وقبور مهجورة متناثرة على الأرض، تنعكس في بقع دم خافتة؛ بينها يمضغ الناس الحزن الغامض لأنفسهم ولغيرهم. لكنهم لا يبصقونه، إذ يعتبرونه أفضل من الفراغ، وكل منهم يعلن نفسه "معاقَباً من السماء"، لتبرير مضغه الحزن الغامض، وبرعب ينتظرون وصول أحزان جديدة. الجديد يخيفهم، لكنهم يتوقون للقائه.

هؤلاء كلهم المواطنون الطيبون للصانع. يحتاجهم هكذا.

لكن من عالم البشر ينهض البطل المتمرد؛ يقف منتصباً، يرى عبر كل الخرائب والقبور المهجورة، الماضية والحاضرة، يتذكر كل معاناة عميقة وشاسعة وقديمة، يواجه كل الدم المتجمد المتراكم طبقات، يعرف كل الموتى والمولودين حديثاً والذين سيولدون والذين لم يولدوا. لقد رأى عبر حيل الصانع؛ سينهض ليوقظ البشرية، أو ليبيد تماماً هؤلاء المواطنين الطيبين للصانع.

الصانع، الجبان، يخجل ويختبئ. السماء والأرض تتغير لونهما أمام عيني البطل.

٨ أبريل ١٩٢٦.


محارب كهذا

محارب كهذا

ينبغي أن يوجد محارب كهذا: لم يعد جاهلاً كسكان أفريقيا الأصليين يحملون بنادق ماوزر لامعة؛ ولا منهكاً كجندي صيني من الراية الخضراء لكنه يحمل مسدس ماوزر. لا يملك دروعاً من جلد البقر ولا من الحديد الخردة؛ لا يملك سوى نفسه، لكنه يحمل حربة البربري، تُرمى من يد واحدة.

يدخل صفوف العدم؛ كل من يقابله يحنون له نفس الانحناءة. يعرف أن هذه الانحناءة سلاح العدو، سلاح يقتل دون أن يسفك دماً؛ كثير من المحاربين هلكوا بها، كقذائف المدفعية، حتى أشجع الشجعان لا يستطيع استخدام قوته.

فوق رؤوسهم يحملون شتى الرايات، مطرزة بأسماء طيبة: فاعل خير، عالم، أديب، شيخ، شاب، أنيق، نبيل... وتحتها يرتدون شتى العباءات، مطرزة بأنماط جميلة: علم، أخلاق، تراث وطني، إرادة الشعب، منطق، عدالة، حضارة شرقية...

لكنه رفع حربته.

جميعهم أقسموا بصوت واحد أن قلوبهم في وسط صدورهم، بخلاف البشر المنحازين. كلهم وضعوا مرايا واقية على صدورهم ليثبتوا أنهم هم أنفسهم يؤمنون إيماناً راسخاً أن قلوبهم في وسط الصدر.

لكنه رفع حربته.

ابتسم، ورماها مائلاً، فأصابت قلوبهم مباشرة.

سقطوا جميعاً؛ لكن لم يكن هناك سوى عباءة، لا شيء بداخلها. شيء العدم أفلت منتصراً، لأنه صار الآن مجرماً قتل فاعلي الخير وأمثالهم.

لكنه رفع حربته.

مشى بخطوات واسعة عبر صفوف العدم، يرى من جديد نفس الانحناءة، شتى الرايات، شتى العباءات...

لكنه رفع حربته.

في النهاية شاخ ومات في صفوف العدم. في النهاية لم يكن محارباً، بل شيء العدم كان المنتصر.

في ظروف كهذه، لا أحد يسمع صيحة قتال: سلام.

سلام...

لكنه رفع حربته!

١٤ ديسمبر ١٩٢٥.


الحكيم والأحمق والعبد

الحكيم والأحمق والعبد

العبد لم يكن يفعل شيئاً سوى البحث عمن يشكو إليه. هذا كل ما فعله، وكل ما استطاع فعله. ذات يوم قابل حكيماً.

"سيدي!" قال بحزن، والدموع تنساب خطاً من زاويتي عينيه. "أنت تعرف. حياتي ببساطة لا تليق بإنسان. لا أحصل حتى على وجبة واحدة في اليوم، وتلك الوجبة ليست سوى نخالة ذرة رفيعة، لا يأكلها حتى الخنازير والكلاب، ومع ذلك إناء صغير فقط..."

"هذا مؤلم حقاً،" قال الحكيم بتعاطف.

"أليس كذلك!" ابتهج. "والعمل لا يعرف راحة، ليلاً ونهاراً: حمل الماء عند الفجر، الطبخ مساءً، الجري في الشوارع صباحاً، طحن الدقيق ليلاً، غسل الملابس في الشمس، حمل المظلة في المطر، تغذية المدفأة شتاءً، التلويح بالمروحة صيفاً. في منتصف الليل أطهو فطر أذن الشجرة على نار هادئة؛ أخدم السيد حين يريد مالاً؛ لا أنال أبداً نصيباً من أرباح القمار، وأحياناً أنال السوط أيضاً..."

"آه..." تنهد الحكيم، واحمرّت عيناه كأنه سيبكي.

"سيدي! لا أستطيع الاستمرار هكذا. يجب أن أجد طريقة أخرى. لكن أي طريقة؟..."

"أعتقد أن الأمور ستتحسن لك..."

"حقاً؟ أتمنى ذلك. لكن مجرد التنفيس ونيل تعاطفك وعزائك أشعرني بتحسن كبير بالفعل. يتضح أن عدالة السماء لم تفنَ..."

لكن بعد أيام قليلة عاد ساخطاً وبحث عن شخص آخر ليشكو إليه.

"سيدي!" قال باكياً. "أنت تعرف. مسكني أسوأ من حظيرة خنازير. السيد لا يعاملني كإنسان؛ يعامل كلبه المدلل أفضل بعشرة آلاف مرة..."

"وغد!" صرخ الرجل، ففزع العبد. هذا الرجل كان أحمقاً.

"سيدي، لا أسكن سوى كوخاً بائساً: رطب، مظلم، مليء بالبق؛ تستلقي فيُلدغك حتى تصبح أشلاء. نتن، وليس فيه حتى نافذة واحدة..."

"ألا تستطيع أن تطلب من سيدك أن يصنع نافذة؟"

"كيف أستطيع ذلك؟..."

"إذن خذني لأراه!"

ذهب الأحمق مع العبد إلى غرفته وبدأ فوراً يضرب جدار الطين.

"سيدي! ماذا تفعل؟" صرخ العبد بفزع.

"أصنع لك نافذة!"

"لا يمكنك! السيد سيعنّفني!"

"فليعنّف!" وتابع الضرب.

"النجدة! لص يدمر بيتنا! أسرعوا! يوشك أن يخرقه!" أنّ وصرخ، يتمرغ على الأرض. خرج جمع من العبيد وطردوا الأحمق.

حين سمع الضوضاء، خرج السيد أخيراً، ببطء.

"لص حاول تدمير بيتنا. أنا أول من أنذر، وبيننا طردناه،" قال العبد باحترام وانتصار.

"أحسنت،" امتدحه السيد.

في ذلك اليوم جاء كثيرون لتهنئته، بينهم الحكيم.

"سيدي. هذه المرة، بفضل خدمتي، امتدحني السيد. أنت قلت قبلاً إن الأمور ستتحسن؛ لقد كنت حقاً بصيراً..."

"أليس كذلك؟..." أجاب الحكيم، كأنه يشاركه سعادته.

٢٦ ديسمبر ١٩٢٥.


صحوة

صحوة

الطائرات، المكلفة بإلقاء القنابل، كانت تحلّق فوق بكين كل صباح بانتظام كالحصص الدراسية. كلما سمعت أزيز المحركات يضرب الهواء، شعرت بتوتر خفيف، كأنني أرى "الموت" قادماً، لكنني في الوقت نفسه شعرت عميقاً بحضور "الحياة".

بعد أن أسمع على نحو مبهم انفجاراً أو اثنين، يطن الطائرة وتبتعد ببطء. ربما مات أو جُرح أحد، لكن العالم بدا أكثر هدوءاً. أوراق الحور الأبيض الطرية خارج نافذتي تلمع بذهب داكن تحت الشمس؛ وزهر البرقوق الكرزي أشد تفتحاً من الأمس. جمعت الصحف المبعثرة على السرير، ومسحت الغبار الشاحب الناعم الذي تراكم على مكتبي خلال الليل: غرفة مكتبتي الصغيرة المربعة عادت اليوم أيضاً ما يسمى "نوافذ نظيفة ومكتب نظيف".

لسبب ما، بدأت بتحرير مخطوطات الكتّاب الشباب المتراكمة على مكتبي منذ وقت طويل؛ أردت مراجعتها كلها. بينما أقرأ الأعمال بالتسلسل الزمني، تنهض أرواح هؤلاء الشباب — الذين رفضوا التصنّع — واحدة تلو الأخرى أمامي. كانوا رشيقين، صادقين: آه، لكنهم بعد ذلك عانوا، أنّوا، غضبوا، وأخيراً صاروا خشنين، أحبائي الشباب!

أرواح ضُربت حتى الخشونة بالريح والرمل: لأنها أرواح بشرية، أحب مثل هذه الأرواح؛ أودّ أن أقبّل هذه الخشونة الدامية اللامرئية واللالونية. في حدائق ضبابية شهيرة، أزهار غريبة تتفتح، حسناوات هادئات يتمشين بتعالٍ متسامٍ، طائر الكركي يصيح، وسحب بيضاء تتصاعد كثيفة... هذا بالطبع يسحر، لكنني أتذكر دائماً أنني أعيش في عالم البشر.

منهكاً، سيجارة بين أصابعي، أغمضت عيني في أفكار بلا اسم ورأيت حلماً طويلاً جداً. فجأة فزعت؛ حولي لا يزال الشفق يطفو؛ لفائف الدخان تتصاعد في الهواء الساكن كسحب صيفية صغيرة، تشكل ببطء أشكالاً لا تُسمّى.

١٠ أبريل ١٩٢٦.


العابر

العابر

اللحظة: غروب يوم ما. المكان: مكان ما. الشخصيات: شيخ — نحو السبعين، لحية وشعر أبيضان، ثوب أسود طويل. فتاة — نحو العاشرة، شعر داكن، عيون سوداء، فستان أبيض بمربعات سوداء. عابر — نحو الثلاثين أو الأربعين، متعب لكن عنيد، نظرة داكنة، لحية سوداء، شعر أشعث، سترة وبنطال أسودان قصيران كلاهما ممزق، حافي القدمين بأحذية ممزقة، حقيبة تحت ذراعه، متكئ على عصا خيزران بطوله.

في الشرق، بضع شجيرات وأنقاض؛ في الغرب، مقبرة مقفرة متهالكة؛ بينهما أثر قد يكون أو لا يكون طريقاً. كوخ صغير من تراب له باب يفتح على هذا الأثر؛ بجانب الباب، جذع شجرة ميتة.

(الفتاة على وشك مساعدة الشيخ للنهوض عن الجذع.)

الشيخ: يا بنية. هيّا، يا بنية! لماذا توقفتِ؟ الفتاة (تنظر نحو الشرق): أحدهم قادم. دعني أنظر. الشيخ: لا حاجة للنظر. ساعديني بالدخول. الشمس تغيب. الفتاة: أريد أن أنظر. الشيخ: آه، هذه البنت! كل يوم ترين السماء والأرض والريح، أليس ذلك جمالاً كافياً؟ لا شيء أجمل. ومع ذلك تصرّين على النظر إلى أحد. ما يظهر عند الغروب لن يجلب لك خيراً... لندخل. الفتاة: لكنه قريب بالفعل. آه، متسول. الشيخ: متسول؟ لا أعتقد.

(العابر يخرج مترنحاً من الشجيرات في الشرق، يتردد لحظة، ثم يقترب ببطء من الشيخ.)

العابر: مساء الخير، يا سيدي. الشيخ: آه، مساء الخير! شكراً. وأنت؟ العابر: سيدي، اعذر جسارتي، أود أن أطلب كأس ماء. أنا عطشان جداً من كثرة المشي. هنا لا بركة ولا بقعة ماء. الشيخ: بالطبع. تفضل بالجلوس. (للفتاة) يا بنية، أحضري ماءً، واغسلي الكأس جيداً.

(الفتاة تدخل الكوخ بصمت.)

الشيخ: تفضل بالجلوس. ما اسمك؟ العابر: اسم؟ لا أعرف. منذ أن أذكر، كنت وحيداً دائماً. لا أعرف ماذا كانوا يسمونني أصلاً. على الطريق ناداني الناس بأسماء مختلفة، كلها مختلفة؛ لا أذكرها بوضوح، ولم أسمع نفس الاسم مرتين. الشيخ: فهمت. من أين أتيت؟ العابر (بتردد خفيف): لا أعرف. منذ أن أذكر، وأنا أمشي هكذا. الشيخ: حسناً. إذن أيمكنني أن أسأل إلى أين تذهب؟ العابر: بالطبع. لكنني لا أعرف. منذ أن أذكر، وأنا أمشي نحو مكان ما، هناك أمامي. أعرف فقط أنني قطعت طرقاً كثيرة والآن وصلت إلى هنا. سأتابع في ذلك الاتجاه (يشير نحو الغرب): إلى الأمام!

(الفتاة تخرج بحذر وكأس خشبي وتقدمه له.)

العابر (يأخذ الكأس): شكراً، يا آنسة. (يشرب الماء في جرعتين، يعيد الكأس.) شكراً، يا آنسة. طيبة كهذه نادرة حقاً. لا أعرف كيف أعبر عن امتناني! الشيخ: لا تكن ممتناً هكذا. لا ينفعك. العابر: صحيح، لا ينفعني. لكنني استعدت بعض القوة. يجب أن أتابع. سيدي، أنت عشت هنا طويلاً، هل تعرف ما هناك في الأمام؟ الشيخ: في الأمام؟ في الأمام قبور. العابر (مندهشاً): قبور؟ الفتاة: لا، لا، لا. هناك زنابق برية كثيرة وورود برية كثيرة؛ أذهب كثيراً للعب والنظر إليها. العابر (ينظر نحو الغرب، يبدو أنه يبتسم): صحيح. تلك الأماكن فيها زنابق برية وورود برية كثيرة؛ أنا أيضاً ذهبت كثيراً لرؤيتها. لكنها قبور. (للشيخ) سيدي، ماذا بعد المقبرة؟ الشيخ: بعدها؟ لا أعرف. لم أذهب قط. العابر: لا تعرف؟! الفتاة: أنا أيضاً لا أعرف. الشيخ: لا أعرف سوى الجنوب والشمال والشرق، الطريق الذي أتيت منه. ذلك المكان أعرفه أفضل، وربما هو أفضل مكان لك. لا تلمني على كثرة الكلام، لكن بهذا الإرهاق، أما كان الأفضل العودة؟ فربما لن تصل إلى النهاية بالمضي قدماً. العابر: ربما لن أصل إلى النهاية؟... (يتأمل، ينتفض فجأة.) لا يمكن! يجب أن أمشي. هناك في الخلف، في كل مكان لافتاته، وفي كل مكان ملاّكه، وفي كل مكان طرده وأقفاصه، وفي كل مكان ابتساماته السطحية، وفي كل مكان دموعه خلف الجفون. أمقت كل ذلك؛ لن أعود! الشيخ: ذلك ليس صحيحاً تماماً. ستجد أيضاً دموعاً من القلب، تُسكب حزناً عليك. العابر: لا. لا أريد رؤية دموعهم الصادقة؛ لا أريدهم أن يحزنوا من أجلي! الشيخ: إذن (يهز رأسه) عليك أن تواصل المشي. العابر: نعم، يجب أن أتابع. فضلاً عن ذلك، هناك دائماً صوت في الأمام يحثني، يناديني، لا يتركني أستريح. فقط أن قدميّ منذ زمن مزقتهما الجراح، تنزفان... لن أشرب دم أحد. أشرب فقط الماء لتعويض دمي. كان هناك ماء دائماً على الطريق. لكن قوتي أصبحت واهنة جداً: ماء كثير في الدم ربما. اليوم لم أجد حتى بركة. الشيخ: ربما. الشمس غابت؛ أظن أنه يمكنك الراحة قليلاً، كما أفعل أنا. العابر: لكن الصوت في الأمام يناديني لأتابع. الشيخ: أعرف. العابر: تعرف؟ هل تعرف ذلك الصوت؟ الشيخ: نعم. يبدو أنه نادانـي ذات مرة أيضاً. العابر: هل كان نفس الصوت الذي يناديني الآن؟ الشيخ: لا أعرف. ناداني بضع مرات؛ تجاهلته، فتوقف، وبالكاد أتذكره. العابر: آه، تجاهلته... (يتأمل، ينتفض فجأة، يصغي.) لا! الأفضل أن أتابع المشي. لا أستطيع الراحة. فقط أن قدميّ ممزقتان بالفعل. (يستعد للرحيل.) الفتاة: خذ هذا! (تعطيه شريط قماش.) ضمّد جراحك. العابر: شكراً (يأخذه)، يا آنسة. هذا حقاً... طيبة استثنائية. ستساعدني على المشي أبعد. (يجلس على طوبة مكسورة، يحاول لف القماش حول كاحله.) لكن لا! (يجاهد للوقوف.) يا آنسة، أعيديه. لا أستطيع الضماد. وطيبة كهذه العظيمة، لا أقدر على ردّها. الشيخ: لا تكن ممتناً هكذا. لا ينفعك. العابر: صحيح. لكن بالنسبة لي، هذه الهدية أغلى شيء. لكنني لا أستطيع. أخشى أنني إن قبلت هدية، سأصبح كالنسر الذي يرى جثة: يحوم قريباً، يتمنى دماره ليشهده؛ أو ألعن كل شيء عداها، بما فيّ أنا، لأنني أستحق اللعنة. لكن ليست لي تلك القوة؛ ولو كانت لي، ما تمنيتُ لها ذلك المصير. أعتقد أن هذا الأسلم. (للفتاة) يا آنسة، هذا القماش ناعم جداً، لكنه صغير قليلاً. أعيديه. الفتاة (فزعة، تتراجع): لا أريده! خذه! العابر (يبدو أنه يبتسم): آه... لأنني لمسته؟ الفتاة (تومئ، تشير إلى الحقيبة): ضعه هناك. لتلعب به. العابر (يتراجع مكتئباً): لكن وأنا أحمل هذا... كيف أمشي؟... الشيخ: إن لم تستطع الراحة، ولا الحمل. استرح قليلاً، ولن يهم. العابر: حسناً، الراحة... (يتأمل، ينتفض فجأة، يصغي.) لا، لا أستطيع! الأفضل أن أتابع المشي. الشيخ: حقاً لن ترتاح؟ العابر: أريد أن أرتاح. الشيخ: إذن استرح قليلاً. العابر: لكنني لا أستطيع... الشيخ: هل لا تزال تظن أن المشي أفضل؟ العابر: نعم. المشي أفضل. الشيخ: إذن من الأفضل أن تمشي. العابر (يتمطى): حسناً، وداعاً. أنا ممتن عميقاً. (للفتاة) يا آنسة، من فضلك أعيدي هذا إليه.

(الفتاة، فزعة، تسحب يديها، على وشك الهروب إلى داخل الكوخ.)

الشيخ: خذه معك. إن كان ثقيلاً جداً، يمكنك تركه في المقبرة في أي وقت. الفتاة (تتقدم): آه لا، ذلك لا يجوز! العابر: آه لا، ذلك لا يجوز. الشيخ: إذن علّقه على الزنابق البرية والورود البرية.

العابر: (صمت.) ذلك ممكن. (يأخذ الشريط، يضعه في حقيبته، يتنهد.) وداعاً. أتمنى لكما... (يتلفت حوله، يتردد.) أتمنى لكما... لا أعرف ماذا أتمنى لكما. ها أنا خرجت من الكلمات أيضاً.

يلتفت نحو الغرب ويمضي. الفتاة تحدق في ظهره حتى يختفي وسط القبور والأزهار البرية. الشفق يحمرّ ويتلاشى.

٢ مارس ١٩٢٥.


بعد الموت

بعد الموت

حلمت أنني ميت.

ترقد جثتي على طريق عشبي، لا أذكر كيف متُّ ولا أين أنا بالضبط. لكنني بدأت أتعفن بالفعل، وأشعر بذلك بوضوح. لا دفء في جسدي. ولا قدرة على الحركة. وتتفتح عيناي ولا تطبقان.

رجال بملابس بيضاء يأتون ويضعون نعشي ويحيطون بي. لا أستطيع مقاومتهم. لكنني لست حزيناً تماماً ولست سعيداً تماماً. فقط، أفكر بشكل مبهم: الموت ربما ليس سيئاً كما ظننت. فقط هذا البرد مزعج. ثم أسمع شخصاً يقرأ تأبيناً. لكن كل ما أسمعه هراء. وفجأة يبدأون بدقّ مسامير النعش.

طن، طن، طن...

لا، انتظروا. أنا لم أمت بعد. أريد أن أصرخ لكن فمي لا يتحرك. أريد أن أحرك يدي لكنها لا تتحرك.

طن، طن، طن...

النعش مُغلق. حملوني. أحسست بالحركة. الظلام. ثم أحسست بالسقوط. ثم التراب يتساقط فوقي. ثم الصمت.

بعد مدة، ربما قصيرة وربما طويلة، بدأت أسمع شيئاً. صمت أعمق من أي صمت. ثم حفيف: ربما ديدان. ثم ضجيج بعيد — ربما العالم فوق الأرض، ربما كان ذلك الهواء.

فكرت: في النهاية أنا ميت حقاً. ولكنني... أفكر. إذن... هل أنا ميت؟ أم فقط... مدفون؟

مر وقت. ثم شعرت بشيء غريب: الراحة. راحة لم أعرفها قط في الحياة. لا أحد يطلب مني شيئاً. لا مقالات يجب كتابتها. لا خطابات يجب إلقاؤها. لا مجاملات يجب تقديمها. لا كذب يجب ابتداعه. فقط الرقود. الرقود والتعفن.

لكن حتى هذه الراحة مزعجة. أريد أن أتحرك. أن أعبّر عن شيء. أن أحتج. لكنني لا أستطيع.

في النهاية، فكرت: هذا هو الموت.

٧ يوليو ١٩٢٥.


عن المؤلف

لو شون (鲁迅، واسمه الحقيقي جو شورن 周树人، ١٨٨١–١٩٣٦) يُعتبر على نطاق واسع مؤسس الأدب الصيني الحديث. أعشاب برية هي مجموعته الشعرية النثرية الوحيدة، وتُعد من أعمق نصوصه وأكثرها تجريبية.