Difference between revisions of "Lu Xun Complete Works/ar/Yijian Xiaoshi"

From China Studies Wiki
Jump to navigation Jump to search
(Arabic translation of Yijian_Xiaoshi)
 
Line 5: Line 5:
 
= حادثة صغيرة (一件小事) =
 
= حادثة صغيرة (一件小事) =
  
'''لو شون (鲁迅، Xùn، ١٨٨١–١٩٣٦)'''
+
'''لو شيون (鲁迅, Xùn, 1881–1936)'''
  
من مجموعة '''صرخة الحرب''' (《呐喊》، ١٩٢٣)
+
.ترجمة من الصينية إلى العربية
  
ترجمة من الصينية إلى العربية.
+
----
 +
 
 +
منذ أن جئتُ من الريف إلى العاصمة، مرّت ستّ سنوات في لمح البصر. وخلال هذه الفترة، سمعتُ وشهدتُ عدداً لا بأس به مما يُسمّى بالشؤون الوطنية الكبرى؛ لكنّ أيّاً منها لم يترك أثراً في قلبي. ولو أنني أُلزِمتُ بالإشارة إلى أثر هذه الأحداث، فلن يكون سوى أنها زادت من سوء طبعي: وبصراحة، علّمتني أن أحتقر الناس أكثر يوماً بعد يوم.
 +
 
 +
غير أنّ حادثة صغيرة واحدة كان لها معنى عندي: انتزعتني من طبعي السيئ ولا أستطيع نسيانها حتى اليوم.
  
----
+
كان ذلك في شتاء السنة السادسة من الجمهورية. كانت ريح شمالية عاتية تهبّ بعنف. واضطررتُ لضرورات المعيشة إلى الخروج باكراً إلى الشارع. لم أكد أجد روحاً حيّة في الطريق. وبصعوبة بالغة تمكّنتُ أخيراً من استئجار عربة ريكشا وطلبتُ من الحوذيّ أن يأخذني إلى بوابة «إس». وبعد قليل هدأت الريح الشمالية. وكان غبار الطريق قد كُنس بالفعل، فبقي طريق نظيف أبيض. وأخذ حوذيّ الريكشا يركض أسرع أيضاً. وحين اقتربنا من بوابة «إس»، تعلّق شخصٌ ما فجأةً بعمودَي العربة وسقط ببطء.
 +
 
 +
كانت المرأة الساقطة عجوزاً شائبة الشعر رثّة الثياب. كانت قد عبرت فجأة من حافة الطريق أمام الريكشا. وكان الحوذيّ قد انحرف بالفعل، لكنّ سترتها القطنية القديمة لم تكن مزرّرة وفتحتها النسيم، فتشابكت بعمودَي العربة. ولحسن الحظ أنّ الحوذيّ كان قد أبطأ قليلاً، وإلا لسقطت سقطة سيئة وشُجّ رأسها.
 +
 
 +
رقدت على الأرض؛ وتوقّف الحوذيّ أيضاً. كنتُ متأكداً أنّ العجوز لم تُصَب بأذى. وفوق ذلك لم يكن أحد ينظر، فأغاظني تدخّلها بلا داعٍ، تبحث لنفسها عن المتاعب وتؤخّر رحلتي.
 +
 
 +
قلت: «لا شيء. واصِل طريقك!»
 +
 
 +
لم يُعِرني الحوذيّ أدنى اهتمام — أو ربما لم يسمعني — بل ترك العربة وساعد العجوز على النهوض ببطء، وسندها من ذراعها وسألها:
 +
 
 +
«ماذا أصابكِ؟»
 +
 
 +
«تألّمتُ.»
 +
 
 +
فكّرتُ: رأيتكِ تسقطين ببطء... كيف تكونين قد تألّمتِ؟ ليس إلا مسرحية، بغيضة حقاً. الحوذيّ يتدخّل فيما لا يعنيه، ويجلب لنفسه الويل. شأنك وشأنه.
 +
 
 +
سمع الحوذيّ كلام العجوز ولم يتردّد لحظة واحدة. واصل سندها من ذراعها ومشى خطوة بخطوة إلى الأمام. دُهشتُ قليلاً ونظرتُ أمامي: كان مركز شرطة الحيّ. وبعد العاصفة لم يكن أحد مرئياً في الخارج أيضاً. كان الحوذيّ يقود العجوز مباشرة نحو ذلك الباب.
  
منذ أن جئت إلى العاصمة قبل ست سنوات، شهدت كثيراً مما يُسمى "أحداثاً كبرى في الدولة"، لكنها لم تترك في قلبي أثراً يُذكر. إن كان لها أثر، فهو أنها زادتني احتقاراً للناس. لكن حادثة صغيرة واحدة تركت فيّ أثراً عميقاً، وكلما تذكرتها شعرت بالخجل وأجبرتني على التحسن.
+
في تلك اللحظة غمرني فجأة شعور غريب. بدا ظلّه المغبرّ من الخلف وكأنه يكبر في لحظة واحدة، وكلّما مشى ازداد ضخامة، حتى اضطررتُ لرفع نظري لأراه. بل إنه تحوّل تقريباً إلى نوع من الضغط عليّ، يكاد يعصر «الصغار» المختبئ تحت معطفي الفرويّ.
  
كان ذلك في شتاء السنة السادسة للجمهورية. كنت أستقل عربة يد (人力车) ذاهباً إلى عملي. هبّت ريح شمالية شديدة والطرقات شبه خالية. طلبت من السائق أن يسرع.
+
بدت حيويتي وكأنها تجمّدت في تلك اللحظة. جلستُ ساكناً، لا أتحرّك ولا أفكّر، حتى رأيتُ شرطياً يخرج من المركز. عندها فقط نزلتُ من الريكشا.
  
فجأة، من جانب الطريق، اعترض طريقنا شخص — امرأة عجوز بشعر أبيض قصير، بملابس رثة. حاولت عبور الطريق فأمسك بها معطف السائق بالمقبض. لم تسقط لكنها توقفت وقالت إنها مصابة.
+
اقترب الشرطيّ مني وقال: «استأجر عربة أخرى بنفسك. هذا الرجل لم يعد يستطيع نقلك.»
  
أنا كنت متأكداً أنها لم تُصب. كانت بعيدة ولم يلمسها. ظننتها تمثّل لابتزاز المال. هتفت: "لا بأس! تابع!"
+
دون تفكير، أخرجتُ حفنة كبيرة من النقود النحاسية من جيب معطفي، وسلّمتها للشرطيّ وقلت: «أعطها له من فضلك...»
  
لكن السائق لم يستمع. أوقف العربة بهدوء، ساعد العجوز على الوقوف، وأخذها من ذراعها نحو مخفر الشرطة ليعترف بالحادث.
+
كانت الريح قد سكنت تماماً والشارع هادئاً. مشيتُ وأنا أفكّر، أكاد أخشى التفكير في نفسي. فلنضع الماضي جانباً، ما معنى تلك الحفنة الكبيرة من النقود النحاسية؟ أهي مكافأة له؟ أيحقّ لي أن أحكم على حوذيّ الريكشا؟ لم أستطع أن أجيب نفسي.
  
وقفتُ في العربة الفارغة، في ذلك الشتاء القارس. نظرت إلى ظهره وهو يبتعد — قصير القامة، بمعطف قطني ممزق — وبدا لي فجأة طويلاً، كبيراً، يزداد طولاً كلما مشى، حتى اضطررت لأرفع رأسي لأراه. وشعرت أن شيئاً يضغط على صدري ويسحقه — ذلك الشيء الذي كان يختبئ خلف معطف فرائي السميك.
+
هذه الحادثة لا تزال تعود إلى ذاكرتي بين الحين والآخر. ولذلك كثيراً ما أعاني الكرب وأجتهد في التفكير في نفسي. سنوات الحكم المدني والقوة العسكرية أصبحت بالنسبة لي كـ «أقوال الأستاذ وأشعار الشعراء» التي كنتُ أقرؤها طفلاً: لا أستطيع أن أستظهر منها نصف جملة. وحدها هذه الحادثة الصغيرة لا تزال تطفو أمام عينيّ، وأحياناً بوضوح أكبر، تُشعرني بالخجل، وتدفعني نحو التجديد، وتزيد من شجاعتي وأملي.
  
منذ ذلك الحين كلما تذكرت تلك الحادثة الصغيرة، شعرت بالخجل وأجبرت نفسي على التحسن، وازددت شجاعة وأملاً.
+
(يوليو 1920.)
  
 +
----
 +
[[Lu_Xun_Complete_Works|العربية: لو شيون — الأعمال الكاملة]]
  
[[Category:Lu Xun]]
+
[[Category:Lu Xun Complete Works]]
[[Category:Chinese Literature]]
+
[[Category:Arabic]]
[[Category:Arabic Translations]]
 

Revision as of 22:30, 9 April 2026

اللغة: ZH · ES · AR · → الفهرس

حادثة صغيرة (一件小事)

لو شيون (鲁迅, Lǔ Xùn, 1881–1936)

.ترجمة من الصينية إلى العربية


منذ أن جئتُ من الريف إلى العاصمة، مرّت ستّ سنوات في لمح البصر. وخلال هذه الفترة، سمعتُ وشهدتُ عدداً لا بأس به مما يُسمّى بالشؤون الوطنية الكبرى؛ لكنّ أيّاً منها لم يترك أثراً في قلبي. ولو أنني أُلزِمتُ بالإشارة إلى أثر هذه الأحداث، فلن يكون سوى أنها زادت من سوء طبعي: وبصراحة، علّمتني أن أحتقر الناس أكثر يوماً بعد يوم.

غير أنّ حادثة صغيرة واحدة كان لها معنى عندي: انتزعتني من طبعي السيئ ولا أستطيع نسيانها حتى اليوم.

كان ذلك في شتاء السنة السادسة من الجمهورية. كانت ريح شمالية عاتية تهبّ بعنف. واضطررتُ لضرورات المعيشة إلى الخروج باكراً إلى الشارع. لم أكد أجد روحاً حيّة في الطريق. وبصعوبة بالغة تمكّنتُ أخيراً من استئجار عربة ريكشا وطلبتُ من الحوذيّ أن يأخذني إلى بوابة «إس». وبعد قليل هدأت الريح الشمالية. وكان غبار الطريق قد كُنس بالفعل، فبقي طريق نظيف أبيض. وأخذ حوذيّ الريكشا يركض أسرع أيضاً. وحين اقتربنا من بوابة «إس»، تعلّق شخصٌ ما فجأةً بعمودَي العربة وسقط ببطء.

كانت المرأة الساقطة عجوزاً شائبة الشعر رثّة الثياب. كانت قد عبرت فجأة من حافة الطريق أمام الريكشا. وكان الحوذيّ قد انحرف بالفعل، لكنّ سترتها القطنية القديمة لم تكن مزرّرة وفتحتها النسيم، فتشابكت بعمودَي العربة. ولحسن الحظ أنّ الحوذيّ كان قد أبطأ قليلاً، وإلا لسقطت سقطة سيئة وشُجّ رأسها.

رقدت على الأرض؛ وتوقّف الحوذيّ أيضاً. كنتُ متأكداً أنّ العجوز لم تُصَب بأذى. وفوق ذلك لم يكن أحد ينظر، فأغاظني تدخّلها بلا داعٍ، تبحث لنفسها عن المتاعب وتؤخّر رحلتي.

قلت: «لا شيء. واصِل طريقك!»

لم يُعِرني الحوذيّ أدنى اهتمام — أو ربما لم يسمعني — بل ترك العربة وساعد العجوز على النهوض ببطء، وسندها من ذراعها وسألها:

«ماذا أصابكِ؟»

«تألّمتُ.»

فكّرتُ: رأيتكِ تسقطين ببطء... كيف تكونين قد تألّمتِ؟ ليس إلا مسرحية، بغيضة حقاً. الحوذيّ يتدخّل فيما لا يعنيه، ويجلب لنفسه الويل. شأنك وشأنه.

سمع الحوذيّ كلام العجوز ولم يتردّد لحظة واحدة. واصل سندها من ذراعها ومشى خطوة بخطوة إلى الأمام. دُهشتُ قليلاً ونظرتُ أمامي: كان مركز شرطة الحيّ. وبعد العاصفة لم يكن أحد مرئياً في الخارج أيضاً. كان الحوذيّ يقود العجوز مباشرة نحو ذلك الباب.

في تلك اللحظة غمرني فجأة شعور غريب. بدا ظلّه المغبرّ من الخلف وكأنه يكبر في لحظة واحدة، وكلّما مشى ازداد ضخامة، حتى اضطررتُ لرفع نظري لأراه. بل إنه تحوّل تقريباً إلى نوع من الضغط عليّ، يكاد يعصر «الصغار» المختبئ تحت معطفي الفرويّ.

بدت حيويتي وكأنها تجمّدت في تلك اللحظة. جلستُ ساكناً، لا أتحرّك ولا أفكّر، حتى رأيتُ شرطياً يخرج من المركز. عندها فقط نزلتُ من الريكشا.

اقترب الشرطيّ مني وقال: «استأجر عربة أخرى بنفسك. هذا الرجل لم يعد يستطيع نقلك.»

دون تفكير، أخرجتُ حفنة كبيرة من النقود النحاسية من جيب معطفي، وسلّمتها للشرطيّ وقلت: «أعطها له من فضلك...»

كانت الريح قد سكنت تماماً والشارع هادئاً. مشيتُ وأنا أفكّر، أكاد أخشى التفكير في نفسي. فلنضع الماضي جانباً، ما معنى تلك الحفنة الكبيرة من النقود النحاسية؟ أهي مكافأة له؟ أيحقّ لي أن أحكم على حوذيّ الريكشا؟ لم أستطع أن أجيب نفسي.

هذه الحادثة لا تزال تعود إلى ذاكرتي بين الحين والآخر. ولذلك كثيراً ما أعاني الكرب وأجتهد في التفكير في نفسي. سنوات الحكم المدني والقوة العسكرية أصبحت بالنسبة لي كـ «أقوال الأستاذ وأشعار الشعراء» التي كنتُ أقرؤها طفلاً: لا أستطيع أن أستظهر منها نصف جملة. وحدها هذه الحادثة الصغيرة لا تزال تطفو أمام عينيّ، وأحياناً بوضوح أكبر، تُشعرني بالخجل، وتدفعني نحو التجديد، وتزيد من شجاعتي وأملي.

(يوليو 1920.)


العربية: لو شيون — الأعمال الكاملة