Lu Xun Complete Works/ar/Kuangren Riji

From China Studies Wiki
Jump to navigation Jump to search

اللغة: ZH · EN · DE · ES · AR · → الفهرس

يوميات مجنون (狂人日记)

لو شون (鲁迅، Lǔ Xùn، ١٨٨١–١٩٣٦)

ترجمة من الصينية.


يوميات مجنون


أَخَوان، أُخفي هنا اسمَيهما، كانا كلاهما من أصدقائي المقرّبين في أيام الدراسة الثانوية. مضت السنون وانقطعت الأخبار بيننا شيئاً فشيئاً. ولم أعلم إلا منذ عهدٍ قريب أن أحدهما قد أصابه مرض عضال. ولمّا كنتُ عائداً إلى مسقط رأسي آنذاك، انعطفتُ عن طريقي لزيارتهما، فلم أجد في الدار سوى واحدٍ منهما. أخبرني أن المريض هو أخوه الأصغر. قال: «كم كان لطيفاً منك أن تأتي من بعيد لعيادته، لكنه شُفي منذ زمن ومضى ليتولّى منصباً رسمياً في مكانٍ ما.» ثم ضحك ملء شدقيه وأخرج دفترين من يومياتٍ، قال إنهما يكشفان عن حالة أخيه أثناء المرض، ولا بأس من إطلاع صديقٍ قديم عليهما. حملتُهما إلى بيتي وقرأتُهما من أولهما إلى آخرهما. تكشّف لي من خلالهما أن صاحبهما عانى من ضربٍ من جنون الاضطهاد. كانت العبارات مضطربة مشوّشة، مليئة بالهذيانات الجامحة، ولم تكن مؤرّخة، غير أن تبدّل لون الحبر والخطّ يدلّ على أنها لم تُكتب دفعةً واحدة. وكان يمكن تمييز خيطٍ ناظم هنا وهناك. نسختُ الآن إحدى هذه القطع وأضعها في متناول البحث الطبي. لم يُعدَّل حرفٌ واحد من أخطاء الأصل؛ وحدها الأسماء — وكلّها لقرويين مغمورين لا شأن لهم في هذا العالم — قد استُبدلت. أما العنوان فقد اختاره صاحبه بنفسه بعد شفائه، وما غيّرتُه. كُتب في اليوم الثاني من الشهر الرابع في السنة السابعة.


أولاً


ضوءُ قمرٍ بديعٌ هذه الليلة.

لم أرَه منذ أكثر من ثلاثين عاماً؛ واليوم، إذ رأيتُه، شعرتُ بانتعاشٍ خارق. وأدركتُ الآن أن الثلاثين سنةً الماضية وزيادة ما كانت إلا سُباتاً. غير أنه ينبغي الحذر الشديد. وإلا، فلماذا نظر إليّ كلبُ آل تشاو (赵) بتلك الطريقة؟

لي كلّ الحقّ في أن أخاف.


ثانياً


لا أثرَ للقمر هذه الليلة: أعلم أن هذا نذيرُ شؤم. حين خرجتُ بحذرٍ هذا الصباح، كان في عينَي العجوز تشاو قوي وِنغ (赵贵翁) نظرةٌ غريبة: بدا كأنه يخشاني، وفي الوقت نفسه يريد إيذائي. كان ثمة سبعة أو ثمانية آخرون يتهامسون حولي، خائفين من أن أراهم. وكلّ مَن صادفتُه في الطريق كان على شاكلتهم. أشرسُهم على الإطلاق فغر فاه وابتسم لي؛ فسرَت قشعريرةٌ من قمّة رأسي إلى أخمصَي قدمَيّ، إذ أدركتُ: استعداداتُهم قد اكتملت.

لكنني لا أخاف، ومضيتُ في طريقي. أمامي كانت مجموعة من الأطفال يتحدّثون عنّي أيضاً؛ نظراتُ عيونهم كانت كنظرات تشاو قوي وِنغ، ووجوهُهم رماديّة. تساءلتُ: أيّ حقدٍ يحمله الأطفال عليّ حتى يتصرّفوا هكذا؟ لم أتمالك نفسي فصحتُ: «أخبروني!» لكنهم فرّوا هاربين.

تأمّلتُ: أيّ ثأرٍ بين تشاو قوي وِنغ وبيني؟ وأيّ ثأرٍ بين الناس في الطريق وبيني؟ كلّ ما يخطر ببالي أنني قبل عشرين عاماً ركلتُ دفتر الحسابات العتيق للسيد قو جيو (古久先生، أي «السيد القديم»)، فاستاء أيّما استياء. ومع أن تشاو قوي وِنغ لا يعرفه حتى، فلا بدّ أنه سمع بالأمر وانحاز إليه ساخطاً، وتآمر مع أهل الطريق لمعاداتي. لكن الأطفال؟ لم يكونوا قد وُلدوا بعد في ذلك الحين: فلماذا ينظرون إليّ اليوم بتلك العيون الغريبة، كأنهم يخشونني ويريدون إيذائي؟ هذا يُرعبني حقاً؛ أجده مُحيّراً ومؤلماً في الصميم.

فهمتُ الآن! علّمهم آباؤهم وأمّهاتهم!


ثالثاً


في الليل لا أستطيع النوم أبداً. لا بدّ من البحث في الأشياء قبل أن يمكن فهمُها.

هؤلاء الناس... بعضُهم وضعه القاضي في الأغلال، وبعضُهم صفعه الأعيان، وبعضُهم سرق الأعوانُ زوجتَه، وبعضُهم أفضى الدائنون بأبيه إلى الموت. وجوهُهم في تلك المناسبات ما كانت تشبه أبداً تعبير الخوف والشراسة الذي رأيتُه بالأمس.

الأغرب كانت المرأة في الشارع بالأمس التي كانت تضرب ابنها وتصرخ: «يا وقح! لأقضمنّك حيّاً، أعضّك بضع عضّات لأُفرّج عن غيظي!» ومع ذلك كانت عيناها مسمّرتين عليّ. كانت صدمةً لم أستطع إخفاءها؛ فانفجر الجمع كلّه بوجوههم الخضراء وأنيابهم البارزة ضاحكين. تقدّم العجوز تشِن وو (陈老五) مسرعاً وجرّني إلى البيت عنوةً.

بعد أن جرّوني إلى البيت، تظاهر كلُّ مَن في الدار بأنه لا يعرفني؛ وكانت نظراتُ عيونهم مطابقةً تماماً لنظرات الآخرين. أدخلوني غرفة المكتب وأقفلوا الباب بالمزلاج، كأنما يحبسون دجاجةً أو بطّة. هذا الأمر حيّرني أكثر.

قبل أيام، جاء مُزارعٌ مستأجِر من قرية وَلد الذئب (狼子村) يُبلّغ أخي الأكبر بمجاعة. قال إن في قريتهم شريراً سيّئ السمعة قتلته الغوغاء ضرباً؛ فانتزع بعضُهم قلبه وكبده، وقلاهما بالزيت وأكلاهما ليستمدّوا الشجاعة. حين تدخّلتُ بكلمة، رمقني المُزارعُ وأخي بنظراتٍ طويلة. اليوم فقط أفهم: نظراتُهما كانت مطابقةً تماماً لنظرات الغوغاء في الخارج.

هذه الفكرة تُسري قشعريرةً من قمّة رأسي إلى أخمصَي قدمَيّ.

إذا كانوا قادرين على أكل البشر، فيمكنهم بالتأكيد أن يأكلوني.

تأمّلوا ما قالته المرأة — «أقضمك حيّاً، أعضّك بضع عضّات» —، وضحكات الغوغاء بوجوههم الخضراء وأنيابهم البارزة، وكلمات المُزارع قبل أيام: كلّها إشاراتٌ سرّية بوضوح. أستطيع أن أرى أن كلماتهم مليئة بالسمّ وضحكاتهم مليئة بالسكاكين. أسنانُهم المصفوفة بيضاءَ لامعة هي أدوات أكل البشر.

لو أُمعنت النظر: مع أنني لستُ شريراً، فمنذ أن دستُ على دفتر حسابات القديم قو جيو، أصبح كلّ شيء ممكناً. يبدو أن لديهم مقصداً آخر لا أستطيع فكّ طلاسمه. فضلاً عن أنهم ما إن ينقلبوا على المرء حتى يُعلنوه شريراً. ما زلتُ أذكر كيف كان أخي الأكبر يعلّمني كتابة المقالات: مهما كان المرء صالحاً، إن كتبتَ بضع عبارات ضدّه، كان أخي يضع دوائر الاستحسان؛ لكن إن سامحتَ شريراً ببضع كلمات طيّبة، كان يمتدحك بقوله «ضربة بارعة، من أندر ما يكون». كيف لي أن أفكّ مقاصدهم، لا سيّما حين يوشكون على الالتهام؟

لا بدّ من البحث في كلّ شيء قبل أن يمكن فهمُه. في الأزمنة القديمة كان الناس يُلتهَمون كثيراً؛ أذكر ذلك، وإن كان الأمر غير واضح تماماً. فتحتُ كتب التاريخ ونظرتُ: هذا التاريخ بلا تواريخ، لكن على كلّ صفحة كُتبت بخطٍّ أعوج كلمات «المروءة والعدالة والأخلاق والفضيلة». ولمّا كنتُ لا أستطيع النوم على أيّ حال، قرأتُ بإمعانٍ نصف الليل حتى تمكّنتُ أخيراً من فكّ شفرة كلماتٍ بين السطور. كان الكتاب بأسره مليئاً بكلمتين فقط: «أَكْلُ النَّاس!»

كلّ هذه الكلمات مكتوبةٌ في الكتب، وكلّ هذه الأشياء قالها المُزارع، وهم في الأثناء يحدّقون فيّ بابتسامةٍ ونظراتٍ غريبة ثابتة.

أنا أيضاً إنسان، وهم يريدون أكلي!


رابعاً


في الصباح جلستُ بصمتٍ لبُرهة. جاء العجوز تشِن وو بالطعام: صحنُ خضار وصحنُ سمكٍ مطهوّ على البخار. عينا هذا السمك — بيضاوان جاحظتان، فمُه مفتوح — تشبهان الغوغاء الذين يريدون أكل البشر. بعد لقيماتٍ بالعيدان — لزجة زلقة حتى ما عدتُ أميّز أهي سمكٌ أم لحم بشريّ — تقيّأتُ كلّ شيء، حتى أحشائي.

قلتُ: «يا عجوز وو، قل لأخي الأكبر إنني أشعر بالضيق وأودّ التمشّي في الحديقة.» لم يُجب العجوز وو وخرج؛ لكن بعد قليل عاد وفتح الباب.

لم أتحرّك، بل ظللتُ أراقب لأرى ماذا ينوون أن يفعلوا بي؛ كنتُ أعلم أنهم لن يدعوني أمضي بسهولة. وبالفعل! دخل أخي الأكبر بصحبة شيخٍ طاعنٍ في السنّ يمشي بخُطىً متثاقلة نحوي. عيناه تفيضان بنيّة القتل، وخشيةً من أن ألاحظ ذلك، أطرق رأسه ورمقني خلسةً من فوق حافة نظّارتيه. قال أخي الأكبر: «تبدو بحالٍ أفضل اليوم.» قلتُ: «نعم.» قال أخي: «لقد دعوتُ السيد هُو (何先生) ليفحصك اليوم.» قلتُ: «كما تشاء.» لكنني كنتُ أعلم تمام العلم أن هذا الشيخ ليس سوى جلّادٍ متنكّر. بحجّة أخذ نبضي، يريد فقط أن يقدّر إن كنتُ سميناً أم هزيلاً، وكمكافأةٍ على خدمته سينال هو أيضاً نصيبه من اللحم. لم أكن خائفاً؛ فمع أنني لا آكل البشر، شجاعتي تفوق شجاعتهم. مددتُ قبضتَيَّ لأرى كيف سيتصرّف. جلس الشيخ وأغمض عينيه وجسّ نبضي طويلاً؛ ثم بقي جامداً برهةً أخرى؛ وأخيراً فتح عينيه الشبحيّتين وقال: «لا تُكثر التفكير. ارتح بهدوء بضعة أيام وستتحسّن.»

لا تُكثر التفكير، ارتح بهدوء! يُسمّنونني ليأكلوا منّي أكثر! أيّ فائدة لي في ذلك؟ كيف سأ«تحسّن»؟ هؤلاء القوم... من جهةٍ يريدون أكل البشر، ومن جهةٍ يتسلّلون باحثين عن ذرائع، لا يجرؤون على الفعل المكشوف... مثيرٌ للضحك حقاً حتى الموت. لم أتمالك نفسي فانفجرتُ بضحكٍ عالٍ، وشعرتُ بارتياحٍ عميق. كنتُ أعلم أن ضحكتي تلك لا تحوي سوى الشجاعة والاستقامة. الشيخ وأخي الأكبر شحبا: شجاعتي واستقامتي أرهبتاهما.

لكن بالتحديد لأنني أملك الشجاعة، يريدون أكلي أكثر، ليمتصّوا شيئاً منها. خرج الشيخ من الباب، ولم يبتعد كثيراً حتى قال لأخي الأكبر بصوتٍ خفيض: «كُلْه فوراً!» فأومأ أخي برأسه. إذن أنتَ أيضاً! هذا الاكتشاف العظيم، وإن بدا مفاجئاً، فهو في العمق غير مستغرَب: مَن تآمر مع الآخرين لأكلي هو

أخي!

آكلُ لحوم البشر هو أخي!

أنا شقيقُ آكلِ لحوم البشر!

سيلتهمونني، ومع ذلك ما زلتُ شقيقَ آكلِ لحوم البشر!


خامساً


في الأيام الأخيرة أمعنتُ التفكير خطوةً أبعد: حتى لو لم يكن ذلك الشيخ جلّاداً متنكّراً بل طبيباً حقيقياً، فلن يكون أقلّ من آكلٍ للحوم البشر. في كتاب «بِنْ تْساو لا أدري ماذا» (本草什么) الذي ألّفه أستاذهم الأكبر لي شي تشِن (李时珍)، مكتوبٌ بالحرف أن لحم الإنسان يمكن تقطيعه شرائح وقليُه وأكلُه: فكيف يزعم بعد ذلك أنه لا يأكل البشر؟

أما أخي الأكبر، فلا أظلمه أبداً. حين كان يشرح لي الكتب، قال بلسانه — بفمه هو — إنه يمكن «تبادل الأبناء وأكلُهم»؛ ومرةً أخرى، حين دار الحديث عن شخصٍ بغيض، قال إنه لا ينبغي قتلُه فحسب، بل «أكلُ لحمه والنوم على جلده». كنتُ صغيراً حينها، وظلّ قلبي يخفق طويلاً. وقبل أيام، حين روى مُزارعُ قرية وَلد الذئب قصةَ أكل القلوب والأكباد، لم يُبدِ أخي أدنى دهشة بل ظلّ يومئ برأسه. واضحٌ أن عقله لا يزال على قسوته المعتادة. إذا كان يمكن «تبادل الأبناء وأكلُهم»، فكلّ شيء قابلٌ للتبادل وكلّ إنسانٍ قابلٌ للأكل. في الماضي تركتُ نفسي تنخدع بحديثه عن المنطق والعدالة؛ أما الآن فأعلم أنه حين كان يتحدّث عن المنطق والعدالة، لم تكن شفتاه فقط ملطّختين بشحم البشر، بل كان قلبه يفيض بنيّة الالتهام.


سادساً


سوادٌ حالك: لا أدري أنهارٌ هو أم ليل. كلب آل تشاو بدأ ينبح من جديد.

شراسةُ أسدٍ، جُبنُ أرنبٍ، دهاءُ ثعلب...


سابعاً


أعرف أساليبهم. لن يرتكبوا قتلاً مكشوفاً: لا يريدون ذلك، وفوق ذلك يفتقرون إلى الجرأة، لأنهم يخشون العواقب. لذلك يتكاتفون جميعاً، ينصبون شِباكهم ويدفعونني إلى الانتحار. يكفي أن تنظر إلى سلوك الرجال والنساء في الشارع في الأيام الأخيرة وتصرّفات أخي الأكبر: ثمانية أو تسعة أعشار القضية تتكشّف. أنسبُ شيءٍ أن أنزع حزامي وأعلّقه من عارضة السقف وأخنق نفسي. هكذا لا يتحمّلون وزر القتل ومع ذلك تتحقّق أمنيتُهم: فتنطلق بطبيعة الحال ضحكةٌ متقطّعة من الابتهاج. وإلا، لو متُّ من الفزع والكمد — وإن كنتُ عندها أنحف قليلاً — فلا يزال بوسعهم أن يومئوا بالرضا.

هم لا يأكلون إلا اللحم الميت! أذكر أنني قرأتُ في كتابٍ ما عن مخلوق يُدعى «الضبع» (海乙那)، بشعِ المنظر، يقتات على الجيَف باستمرار ويطحن أضخم العظام قبل أن يبتلعها: مجرّد التفكير فيه يُرعب. الضبع قريبُ الذئب، والذئبُ ابنُ عمّ الكلب. قبل أيام رمقني كلب آل تشاو بنظراتٍ ثابتة: واضحٌ أنه أيضاً شريكٌ في المؤامرة ودبّرها منذ زمن. الشيخ يتظاهر بالنظر إلى الأرض: أيحسب أن بإمكانه خداعي؟

أشدّ ما يُرثى له أخي الأكبر: هو أيضاً إنسان. فلماذا لا يخاف أدنى خوف بل ينضمّ إلى المؤامرة لأكلي؟ أهي قوّة العادة، لأنه كان دائماً هكذا ولا يرى فيه أيّ سوء؟ أم فقد ضميره ويفعل ما يفعل عن سابق علم ومعرفة؟

ألعنُ آكلي لحوم البشر، وأبدأ به؛ وإن كان عليّ أن أُقنع الآكلين بتغيير عاداتهم، فسأبدأ به أيضاً.


ثامناً


في الحقيقة كان ينبغي أن يفهموا هذا المبدأ منذ زمنٍ بعيد...

فجأةً دخل شابٌّ لا يتجاوز عمره العشرين. لم أستطع تبيّن ملامحه جيداً؛ كان كلّه ابتسامات وأومأ لي برأسه، لكن ابتسامته لم تبدُ حقيقية. سألتُه: «هل أكلُ البشر صواب؟» فأجاب دون أن يكفّ عن الابتسام: «لسنا في سنة مجاعة... كيف يأكل أحدٌ البشر؟» علمتُ فوراً أنه من العصابة، آكلُ لحوم بشرٍ طوعيّ؛ فتضاعفت شجاعتي وألححتُ:

«هل هو صواب؟»

«أيّ سؤالٍ هذا؟ أنتَ حقاً... مُزاحٌ كبير. ... الطقس جميلٌ اليوم.»

الطقس جميل، وضوء القمر ساطعٌ أيضاً. لكنني أريد أن أسألك: «هل هو صواب؟»

لم يستحسن ذلك. تمتم بغموض: «لا...»

«لا؟ ليس صواباً؟ فلماذا لا يزالون يفعلونه؟»

«مثل هذه الأشياء غير موجودة...»

«غير موجودة؟ في قرية وَلد الذئب يأكلون البشر الآن، وهو مكتوبٌ في الكتب أيضاً، بحبرٍ أحمر قانٍ!»

تغيّر وجهه: صار رمادياً كالحديد. حدّق فيّ وقال: «ربما... كان الأمرُ هكذا دائماً...»

«أيُصبح الأمر صواباً لأنه كان دائماً هكذا؟»

«لا أريد مناقشة هذه الأمور معك. على أيّ حال، ما كان ينبغي لك أن تقولها؛ فما إن تقولها حتى تكون أنتَ المخطئ.»

وثبتُ واقفاً وفتحتُ عينيّ على وسعهما، لكن الرجل كان قد اختفى. كنتُ مبلّلاً بالعرق. هو أصغرُ من أخي بكثير، ومع ذلك هو أيضاً من العصابة؛ لا بدّ أن أبويه علّماه. وأخشى أنه نقل ذلك إلى أبنائه؛ ولهذا حتى الصغار ينظرون إليّ بكلّ هذا الحقد.


تاسعاً


يريدون أكل البشر بأنفسهم، لكنهم في الوقت نفسه يخشون أن يأكلهم الآخرون، فيتبادلون النظرات بأعمق ريبة...

لو تخلّصوا من هذا الهاجس فقط، لأمكنهم أن يعملوا ويمشوا ويأكلوا وينامـوا بطمأنينة تامّة: يا لها من راحة! إنها مجرّد عتبة، نقطة تحوّل. غير أنهم — آباء وأبناء، إخوة، أزواج، أصدقاء، أساتذة وتلاميذ، أعداء أَلِدّاء وغرباء تماماً — تحالفوا جميعاً، يشجّعون بعضهم ويكبّلون بعضهم، يفضّلون الموت على أن يخطوا هذه الخطوة الواحدة.


عاشراً


في الصباح الباكر ذهبتُ أبحث عن أخي الأكبر. كان واقفاً أمام باب الصالة ينظر إلى السماء. وقفتُ خلفه وسددتُ المدخل وكلّمتُه بهدوءٍ خاصّ ولطفٍ خاصّ:

«أخي، عندي ما أقوله لك.»

«قُلْه»، أجاب على عجَل ملتفتاً إليّ بإيماءة.

«هي كلماتٌ قليلة فحسب، لكنني لا أستطيع النطق بها. أخي، في كلّ الاحتمالات، في البدء كان الإنسان البدائي قد أكل شيئاً من لحم البشر في وقتٍ ما. لاحقاً، لأن طريقة تفكيرهم تغيّرت، توقّف بعضُهم عن أكل البشر وسعَوا دوماً لأن يكونوا صالحين: فتحوّلوا إلى بشرٍ حقيقيين، بشرٍ بحقّ. وآخرون استمرّوا في الأكل، تماماً كالحشرات: بعضُها تطوّر إلى أسماك وطيور وقردة وأخيراً إلى بشر؛ والبعضُ لم يسعَ إلى الصلاح وظلّ حشرات حتى اليوم. كم يجب أن يخجل آكلو لحوم البشر أمام مَن لا يأكلونها! خجلٌ أكبر، أجرؤ أن أقول، من خجل الحشرات أمام القرود.

»يي يا (易牙) طبخ ابنه وقدّمه للطاغيتين جيه وتشو (桀纣)، لكن ذلك كان في عصورٍ سحيقة. مَن يدري كم دام هذا؟ منذ أن فصل بان قو (盘古) السماء عن الأرض، والناس يلتهمون بعضهم دون انقطاع: من ابن يي يا إلى شيو شي لين (徐锡林)؛ ومن شيو شي لين إلى الرجل الذي أُمسك في قرية وَلد الذئب. في العام الماضي، حين أعدموا مجرماً في المدينة، غمس رجلٌ مسلول كعكتَه (馒头) في الدم ولعقها.

»يريدون أكلي. أنتَ وحدك لا تستطيع فعل شيء حيال ذلك. لكن لماذا تنضمّ إليهم؟ آكلو لحوم البشر قادرون على كلّ شيء؛ إن أمكنهم أكلي، فيمكنهم أكلُك أيضاً، بل حتى داخل العصابة يلتهمون بعضهم. لكن لو خطوتَ خطوةً واحدة فقط، لو تغيّرتَ فوراً، لعاش الجميع بسلام. وإن كان الأمرُ هكذا دائماً، فاليوم يمكننا أن نعزم على أن نكون صالحين بشكلٍ خاصّ ونقول إنه لا يمكن أن يكون غير ذلك. أخي، أعتقد أن بإمكانك أن تقولها. في اليوم الآخر، حين طلب المُزارع تخفيض الإيجار، قلتَ إن ذلك مستحيل.»

في البدء اكتفى بابتسامةٍ باردة. ثم صارت ملامحه شرسة، وحين كشفتُ سرّه، تحوّل وجهُه كلّه إلى لونٍ رماديّ. خارج الباب الكبير كان ثمة جمعٌ — تشاو قوي وِنغ وكلبُه بينهم — كلّهم يمدّون أعناقهم ويتلصّصون. بعضُهم لم أستطع تمييز وجوههم، كأنما لفّوها بقماش؛ وآخرون لا يزالون بوجوههم الخضراء وأنيابهم البارزة، يبتسمون بشفاهٍ مضمومة. عرفتُهم على حقيقتهم: عصابة، كلّهم آكلو لحوم بشر. لكنني أعلم أيضاً أن عقولهم ليست متشابهة: بعضُهم يظنّ أن الأمر كان هكذا دائماً وأنه ينبغي الأكل؛ وبعضُهم يعلم أنه لا ينبغي الأكل، لكنه يريد ذلك ويخشى فقط أن يفضح أحدٌ الحقيقة؛ فلمّا سمعوا كلماتي ازدادوا غضباً، لكنهم ابتسموا ببرود بشفاهٍ مضمومة.

عندئذٍ اتّخذ أخي الأكبر فجأةً ملامح شرسة وزمجر:

«اخرجوا جميعاً! ما الذي يُرى في مجنون؟»

في تلك اللحظة أدركتُ حيلةً أخرى من حيَلهم البارعة. لم يكتفوا برفض التغيير، بل أعدّوا كلّ شيء منذ زمن: رتّبوا لصق لقب «المجنون» بي. حين يأكلونني في المستقبل، لن تقع مشكلة فحسب، بل ربما يشفق عليّ بعضُهم. حين روى المُزارع كيف أكل الجميعُ ذلك الشرير معاً، كان ذلك الأسلوبَ عينَه. هذه وصفتُهم الموروثة!

اقتحم العجوز تشِن وو مغتاظاً. كيف يُسكتونني؟ أصررتُ على مخاطبة الجمع:

«بإمكانكم أن تتغيّروا: تغيّروا من أعماق قلوبكم! اعلموا أنه في المستقبل لن يكون لآكلي لحوم البشر مكانٌ في هذا العالم.

»إن لم تتغيّروا، فأنتم أنفسكم ستُلتهَمون. مهما أنجبتُم، فالبشر الحقيقيون سيُبيدونكم، كما يُبيد الصيّادون الذئاب. كما تُسحق الهوامّ!»

طُرد الجمعُ كلّه على يد العجوز تشِن وو. كان أخي أيضاً قد اختفى. حثّني العجوز تشِن وو على العودة إلى غرفتي. في الداخل كان كلّ شيء غارقاً في الظلام. العوارض والروافد ترتجف فوق رأسي؛ ارتجفت برهةً ثم تورّمت وانهارت فوقي.

ثقلٌ لا نهائيّ: لم أستطع الحراك. أرادوني أن أموت. لكنني علمتُ أن الثقل وهمٌ وتحرّرتُ بالكفاح؛ وتفصّد العرقُ من كلّ مسامّي. ومع ذلك أصررتُ على القول:

«تغيّروا فوراً، تغيّروا من أعماق قلوبكم! اعلموا أنه في المستقبل لن يكون لآكلي لحوم البشر مكان...»


حادي عشر


الشمس لا تطلع؛ الباب لا يُفتح. يوماً بعد يوم: وجبتان.

حين أمسكتُ العيدان، فكّرتُ في أخي الأكبر؛ وعندئذٍ أدركتُ سبب وفاة أختي الصغيرة: كان فعلَته بالكامل. كانت أختي في الخامسة من عمرها آنذاك؛ وجهُها الحلو المؤلم لا يزال ماثلاً أمام عينيّ. بكت أمّي بلا انقطاع، لكنه حثّها على ألا تبكي، غالباً لأنه أكلها بنفسه وبكاؤها يُشعره بظلٍّ من الذنب. إن كان لا يزال قادراً على الشعور بالذنب...

أختي الصغيرة التهمها أخي الأكبر. هل كانت أمّنا تعلم ذلك، لا أستطيع الجزم.

أمّي على الأرجح كانت تعلم؛ غير أنها حين بكت، لم تتحدّث عن ذلك، ربما لأنها هي أيضاً كانت تعتبره أمراً طبيعياً. أذكر حين كنتُ في الرابعة أو الخامسة، جالساً على الشرفة أستمتع بنسيم المساء، قال أخي إنه حين يمرض الأب أو الأمّ، يجب على الابن البارّ أن يقطع قطعةً من لحمه ويطبخها ويقدّمها لأبويه؛ عندئذٍ فقط يُعتبر إنساناً صالحاً. أمّي لم تقل إن ذلك خطأ. إن كان يمكن أكلُ قطعة، فيمكن أكلُ الإنسان بأكمله. لكن الطريقة التي بكت بها ذلك اليوم... حين أتذكّرها الآن، لا يزال قلبي ينفطر. هذا حقاً من أعجب العجب.


ثاني عشر


لم أعد أستطيع التفكير في هذا.

أربعة آلاف سنة، في هذا المكان، والناس يلتهمون بعضهم دون انقطاع، والآن فقط أدركتُ أنني أيضاً كنتُ أعيش بينهم طوال هذه السنين. في الوقت الذي تولّى فيه أخي إدارة المنزل تماماً، ماتت أختنا الصغيرة. من الممكن جداً أنه خلطها بالطعام وأطعمنا إياها سرّاً.

من الممكن جداً أنني، دون أن أعلم، أكلتُ عدّة قطعٍ من لحم أختي... والآن جاء دوري...

أنا، بتاريخ أربعة آلاف سنة من أكل لحوم البشر — وإن كنتُ في البداية لم أكن أعلم، فالآن بعد أن فهمتُ، يصعب عليّ أن أنظر في وجه إنسانٍ حقيقيّ —.


ثالث عشر


أما من أطفالٍ لم يأكلوا لحم البشر بعد؟

أنقذوا الأطفال...


(أبريل ١٩١٨.)