Lu Xun Complete Works/ar/Guxiang
الوطن (故乡)
لو شون (鲁迅، Lǔ Xùn، ١٨٨١–١٩٣٦)
ترجمة من الصينية.
خواطر متفرّقة حول عيد زهور الأقحوان
يقترب عيد زهور الأقحوان، ولا بدّ من كتابة شيءٍ يشبه المقال. لكن أن يُطلب منّي الكتابة في هذا الموضوع يكاد يكون كـ«الإجابة على ورقة بيضاء» في قاعة الامتحانات قديماً. ذلك أنني — ويُخجلني أن أعترف — وإن كنتُ أفهم تماماً معنى الأحرف الثلاثة «عيد زهور الأقحوان»، فإنني لا أعرف حتى أسماء المقاتلين الذين سقطوا على تلّة هوانغ هوا (黄花冈)، ولا حتى عددهم.
بحثاً عن مادّة تتيح لي صوغ آراء، لم يكن أمامي بُدٌّ من مراجعة قاموس تسي يوان (《辞源》). وجدتُ فيه مدخلاً فعلاً، لكنه لم يتجاوز هذا:
«هوانغ هوا قانغ (黄花冈)، اسم موقع، عند سفح جبل باي يون (白云山)، خارج البوابة الشمالية لعاصمة مقاطعة قوانغ دونغ. في اليوم التاسع والعشرين من الشهر الثالث في السنة الثالثة من عهد شوان تونغ (宣统)، هاجم عشرات الثوريّين مقرّ الحاكم، وفشلوا ولقوا حتفهم؛ ودُفنوا هناك في مقبرة جماعية.»
موجز ومقتضب، لا يختلف كثيراً عمّا كنتُ أعرفه؛ لم يُفدني بشيء.
كنتُ أودّ أيضاً أن أعرف شيئاً عن أحداث التاسع والعشرين من مارس قبل سبعة عشر عاماً، لكنني لم أجد في الحال شيوخاً شهود عيان. واستناداً إلى أمثلة أماكن أخرى — بكين، نانكين، مسقط رأسي — يمكن الاستنتاج أنه في ذلك الوقت تألّم بعضُهم، وابتهج بعضُهم، ولم يكن لبعضهم رأي، واتّخذها بعضُهم مادّة أحاديث بين الكؤوس وأكواب الشاي. ثم نُسيت سريعاً. المقهورون طويلاً لا يعرفون أثناء القهر إلا الصبر على المعاناة؛ وإن حالفهم الحظّ بالتحرّر فلا يعرفون إلا الانغماس في الملذّات — المآسي البطولية لا تبقى طويلاً في الذاكرة.
لكن أحداث التاسع والعشرين من مارس كانت خاصة: فمع أنها فشلت آنذاك، في أكتوبر جاءت انتفاضة ووتشانغ (武昌起义)، وفي العام التالي وُلدت جمهورية الصين. وهكذا صار المقاتلون الذين سقطوا روّاداً للنصر الثوري؛ المأساة البطولية كادت تُسدل ستارها حين أُضيفت نهاية سعيدة. هذا مدعاة احتفال، ويمكن الإحساس به عند إحياء ذكرى عيد زهور الأقحوان.
لم أشهد شخصياً إحياء ذكرى عيد زهور الأقحوان، لأنني قضيتُ زمناً طويلاً في الشمال. لكنني شهدتُ ذكرى السيد صون يات-سِن: في المدرسة، جاء كثيرون مساءً لمشاهدة المسرحية، حتى كسروا بعض المقاعد — كان الأمر حيوياً جداً. من هذا المثال يمكن الاستنتاج أن عيد زهور الأقحوان أيضاً لا بدّ أن يكون بالغ الحيوية.
في ليلة الثاني عشر من مارس، وسط الحيوية، شعرتُ بعمقٍ أكبر بعظمة الثوري. فكّرتُ: حين ينجح الحبّ ويموت أحد الحبيبين، لا يمنح الباقي سوى الحزن. لكن حين تنجح الثورة ويموت الثوري، يمنح كلّ عام الباقين حيوية — بل حتى ابتهاجاً وفرحاً. وحده الثوري، حيّاً أو ميتاً، يمنح الجميع السعادة. إنه الحبّ ذاته، ومع ذلك يا لاختلاف النتائج — لا عجب أن كثيراً من شباب اليوم يشعرون بعذاب الصراع بين الحبّ والثورة.
«نجاح الثورة» المذكور أعلاه يُشير فقط إلى أمرٍ مؤقّت؛ في الحقيقة «الثورة لم تنجح بعد». الثورة لا نهاية لها. غير أن الصين، بفضل روح ولحم ودم كثيرٍ من المقاتلين، أثمرت فعلاً بعض ثمار السعادة التي لم تكن موجودة من قبل، ولا يزال ثمة أمل في نموٍّ تدريجي. وإن بدا الأمر غير ذلك، فلأن مَن يواصلون الزراعة قلّة، بينما مَن يتأمّلون الزهور ويقطفونها ويلتهمون الثمار كُثر.
لا أقول إن على الجميع البكاء المرّ يومياً لتكريم «أرواح الشهداء في السماء»؛ يكفي تذكّرهم يوماً واحداً في السنة. لكن فيما يخصّ قوانغ دونغ الحالية، أرى أن طريقة الاحتفال بالأعياد لا تزال تحتاج إلى بعض التحسين. عيد زهور الأقحوان حيويّ جداً؛ يومٌ من الحيوية لا بأس به؛ وإن أنهكت الحيوية الناس، يعودون إلى ديارهم وينامون ملء جفونهم. لكن في اليوم التالي، حين تتجدّد الطاقة، ينبغي أن يعمل كلٌّ يوماً إضافياً فيما يجب عليه. هذا شاقٌّ بالطبع، لكنه أفضل بكثير من تلقّي رصاصة في موضعٍ مميت؛ فضلاً عن أن هذا أيضاً يُعدّ زراعةً لزهور وثمار السعادة من أجل القادمين.
(ليلة الرابع والعشرين من مارس.)
مقال موجز عن وجوه الصينيين
حين يصادف المرء شيئاً غير مألوف، لا يسعه عادةً إلا أن يجده غريباً. ما زلتُ أتذكّر حين رأيتُ أناساً غربيين لأوّل مرة: بدا لي أن وجوههم أبيض مفرطاً، وشعرهم أصفر مفرطاً، وعيونهم فاتحة مفرطاً، وجسر أنفهم مرتفع مفرطاً. ومع أنني لم أستطع ذكر الأسباب بوضوح، فالخلاصة: لا ينبغي أن تكون الملامح هكذا. أما وجوه الصينيين، فلم يكن ثمة أيّ اعتراض؛ وإن كانت بينها فوارق في الحُسن والقُبح، فكلّها على ما يرام.
أسلافنا لم يتهاونوا مع ملامح الصينيين أنفسهم. مِنغ كَه في عهد تشو كان يحكم على استقامة القلب من حدقتَي العين، وفي عهد الهان كان ثمة أربعة وعشرون مجلّداً من «فنّ قراءة الوجوه». لاحقاً تكاثر المشتغلون بهذا الأمر؛ ويمكن تقسيمهم إلى مدرستين: واحدة تقرأ في الوجه ذكاء الإنسان أو غباءه وصلاحه أو فساده؛ وأخرى تقرأ فيه ماضيه وحاضره ومستقبله. وهكذا اضطرب العالم، وأخذ كثيرون يدرسون وجوههم بقلقٍ بالغ. أظنّ أن اختراع المرآة يعود بفضلٍ كبير إلى هؤلاء الناس وإلى الآنسات. غير أن المدرسة الأولى لم يعد لها كثير من الأتباع مؤخراً، ومَن يمارسون الدجل في بكين وشنغهاي كلّهم من المدرسة الثانية.
لطالما انتبهتُ إلى الغربيين. ونتيجة ملاحظتي وجدتُ أن بشرتهم خشنة أكثر مما ينبغي؛ والشعر الأبيض أيضاً ليس جميلاً. على جلدهم غالباً بقع حمراء، وذلك بالتحديد لأن لونهم أبيض أكثر مما ينبغي؛ لونُنا الأصفر أفضل. الأقبح هو الأنف الأحمر، الذي يبدو أحياناً كالشمع المذاب على وشك أن يقطر، ممّا يثير الرعب؛ العرق الأصفر أكثر تحفّظاً في هذا وبالتالي أكثر أماناً في المظهر. الخلاصة: لا ينبغي أن تكون الملامح هكذا.
لاحقاً، حين رأيتُ رسومات صينيين بريشة غربيين، علمتُ أنهم أيضاً لا يحترمون مظهرنا كثيراً. بدت كرسوم من «ألف ليلة وليلة» أو حكايات أندرسن؛ الذاكرة ليست واضحة جداً. على الرأس قبّعة حمراء بشرّابات وريشة، وضفيرة تطير في الهواء، وأحذية المانشو بنعالٍ سميكة كالطوب. لكن كلّ ذلك ذنب المانشو. وحدها العيون المائلة والفم المفتوح الذي يُظهر الأسنان هي ملامحنا الأصلية. غير أنني فكّرتُ: في الحقيقة ليس الأمر كذلك تماماً؛ الأجانب أرادوا السخرية منّا فبالغوا عمداً.
لكنني بعد ذلك أخذتُ أشعر بعدم رضا عن وجوه بعض الصينيين: كلّما رأوا شيئاً غير مألوف أو امرأة جميلة أو سمعوا كلاماً يسحرهم، يأخذ فكُّهم السفلي بالتدلّي ببطء ويبقى فمهم مفتوحاً. هذا ليس أنيقاً أبداً؛ كأن في الروح ترساً ناقصاً. يقول دارسو الجسم البشري إن «العضلة الماضغة»، المثبّتة بطرفٍ في الفكّ العلوي والآخر في الفكّ السفلي، قوّتها هائلة. في صغرنا، حين نريد أكل الجوز، نضعه في شقّ الباب لنكسر قشرته. لكن البالغ ذا الأسنان الجيدة يستطيع بمجرّد انقباض العضلة الماضغة أن يكسر جوزة. أن عضلةً بهذه القوة تعجز أحياناً عن إسناد فكٍّ ليس بالثقيل، وإن كان ذلك يحدث في لحظة انبهار، فالعذر مقبول، لكنني أظلّ أرى أنه ليس بالأمر اللائق جداً.
الياباني هاسيغاوا نيوزيكان (长谷川如是闲) كان بارعاً في كتابة السخرية. في مجموعته «قطط وكلاب وبشر» (《猫·狗·人》) نصٌّ عن وجوه الصينيين. الفكرة الرئيسية أنه حين يرى المرء صينياً لأوّل مرة، يشعر أن في وجهه نقصاً مقارنةً باليابانيين أو الغربيين. ومع الوقت يألف الأمر ويشعر أن هذا يكفي؛ بل يصبح وجه الغربي هو الذي فيه فائض. ذلك الفائض يمنحه اسماً غير مجاملٍ: الوحشية. وجه الصيني يخلو من هذا؛ إذا كان الإنسان إنساناً ثم أُضيف إليه الفائض، حصلنا على المعادلة التالية:
إنسان + وحشية = غربي
يُحقّق بذلك غرضه في مدح الصينيين وذمّ الغربيين لأجل السخرية من اليابانيين. وبطبيعة الحال ليس بحاجة إلى القول إن الوحشية الغائبة عن وجوه الصينيين لم تكن موجودة أصلاً أم أُزيلت. وإن كانت أُزيلت لاحقاً، يبقى السؤال: هل تنقّت تدريجياً حتى بقيت الطبيعة البشرية وحدها، أم تحوّلت مجرّد استسلام؟ الجاموس البرّي صار بقرة أهلية، والخنزير البرّي صار خنزيراً، والذئب صار كلباً؛ الطبيعة البرّية اختفت، لكن ذلك لا يُسعد إلا الراعي، بلا نفع للحيوان نفسه. أن يكون الإنسان إنساناً فقط، بلا خليطٍ من شيء آخر، هو المثال. لكن إن لم يكن ثمة مفرّ، أرى أنه أفضل أن يُبقي شيئاً من الوحشية؛ فإن انطبقت المعادلة التالية فالأمر ليس ممتعاً جداً:
إنسان + طبيعة حيوان أليف = نوعٌ ما من الأشخاص
قوانغتشو (广州)، كشنغهاي، تزرع أذواقها بالطريقة نفسها. المؤسف أنه حين تبدأ الأفلام، تُطفأ الأنوار دائماً فلا أستطيع مراقبة أذقان الناس.
(السادس من أبريل.)
الأدب في عصر الثورة
محاضرة أُلقيت في الثامن من أبريل في الأكاديمية العسكرية في هوانغ بو (黄埔军官学校)
ما أودّ قوله اليوم يتّخذ عنواناً «الأدب في عصر الثورة». هذه المدرسة دعتني عدّة مرات، وظللتُ أؤجّل. لماذا؟ لأنني أظنّ أنكم دعوتموني لأنني كتبتُ بضع قصص قصيرة، أي أنني أديب، وتريدون أن تسمعوا عن الأدب. في الحقيقة لستُ كذلك ولا أفهم شيئاً. تعليمي الأصلي كان التعدين؛ لو طُلب منّي محاضرةٌ عن استخراج الفحم لكان ربما أفضل من محاضرة عن الأدب. بطبيعة الحال، بسبب هوايتي الشخصية، أقرأ كتب الأدب بين حينٍ وآخر، لكن بلا حصيلة أستطيع أن أنقلها لكم بفائدة. فضلاً عن أن تجربتي في بكين في السنوات الأخيرة جعلتني أشكّ تدريجياً في كلّ ما عرفتُه من نظريات الأسلاف في الأدب.
في الحقيقة، «الثورة» ليست شيئاً خارقاً: بفضلها بالتحديد يتجدّد المجتمع ويتقدّم الإنسان، وبها أمكن الانتقال من الكائن الأحادي الخلية إلى الإنسان، ومن الهمجية إلى الحضارة.
الثورة الكبرى تؤثّر في الأدب من ثلاث جهات. أولاً: قبل الثورة الكبرى، كلّ الأدب يتألّف من شكاوى وصرخات ألم وسخط على مساوئ المجتمع، لكن هذه الكتابات تفتقر إلى القوة. ما دام شعبٌ يكتفي بالشكوى فلا أمل فيه. بعض الأمم، حين رأت أن الشكوى لا تجدي، كفّت حتى عن الشكوى وأصبحت أمماً صامتة — مصر، العرب، فارس، الهند لم يعد لها صوت. لكن الشعوب المتمرّدة، المفعمة بالقوة، تستيقظ وتنتقل من النحيب إلى الزئير. حين يظهر أدب الزئير، تكون الثورة قريبة.
ثانياً: أثناء الثورة الكبرى، يصمت الأدب، لأن الجميع مشغول بالثورة ولا أحد لديه وقت أو همّة للكتابة. في عصر الثورة يكون المرء مشغولاً جداً وفقيراً جداً، فيسكت الأدب.
ثالثاً: بعد الثورة الكبرى، يظهر نوعان من الأدب: واحد يمدح الثورة ويحتفي بها، وآخر يرثي دمار النظام القديم. الصين لا تملك حتى الآن لا هذا ولا ذاك، لأن الثورة الصينية لم تنجح بعد. لكن في الاتحاد السوفييتي ظهر كلا النوعين: أدباء النظام القديم الفارّون إلى الخارج ينتجون المراثي، والأدب الجديد يتقدّم بقوة. لقد انتقلوا من مرحلة الزئير إلى مرحلة الغناء.
أما الأدب الشعبي: لا يوجد بعد في العالم أدبٌ شعبي حقيقي. كلّ الأدب الموجود — شعر وأغانٍ — صُنع للطبقات العليا: أناسٌ ممتلئو البطون يتّكئون ويقرأون. رجلٌ موهوب يلتقي بسيدة جميلة، يقعان في الحبّ، يتدخّل شرير، تنشأ تعقيدات، لكن في النهاية يجتمعان. هكذا يُقرأ براحة. في الصين اليوم، وإن كان هناك مَن يتّخذ الشعب — العمّال والفلاحين — مادةً للروايات والقصائد ونسمّيه أدباً شعبياً، فهو في الحقيقة ليس كذلك، لأن الشعب لم يفتح فمه بعد.
أيها السادة، أنتم مقاتلون حقيقيون، جنود الثورة. أعتقد أنه من الأفضل الآن ألا تُعجبوا بالأدب. في وضع الصين الراهن، وحدها الحرب الثورية الحقيقية تُحسب: قصيدةٌ لا تستطيع طرد صون تشوان فانغ (孙传芳)، لكن مدفعاً يستطيع.
انتهى كلامي: أشكركم على صبركم!
الوطن
بمناسبة سفري الشاقّ عبر ألفَي لي، عائداً بعد أكثر من عشرين عاماً من الغياب إلى مسقط رأسي.
كان شتاءً عميقاً، ومع اقترابنا من البلدة، ازداد الطقس كآبةً. ريحٌ باردة تعصف داخل المقصورة تُصدر أزيزاً؛ ومن خلال الفتحات في الغطاء أطللتُ إلى الخارج: تحت سماءٍ صفراء كابية، بضع قرى كئيبة متناثرة هنا وهناك، خاوية من أيّ حيوية. لم أتمالك إحساساً بالكآبة.
آه! أهذا هو مسقط الرأس الذي أحنّ إليه منذ عشرين عاماً؟
مسقط الرأس الذي أتذكّره لم يكن هكذا على الإطلاق. مسقط رأسي كان أجمل بكثير. لكن لو طلبتَ منّي أن أتذكّر جماله وأُعبّر عن حُسنه، لتبدّدت صوره وذهبت كلماتي. يبدو أنه كان هكذا. فقلتُ لنفسي: مسقط الرأس كان دائماً هكذا — وإن لم يتقدّم فلم ينحدر أيضاً كما يوحي شعوري؛ ما تغيّر هو مزاجي وحسب، لأن هذه العودة ليست رحلة سعيدة.
أتيتُ خصّيصاً لتوديعه. البيت القديم الذي عاشت فيه عشيرتنا أجيالاً بِيع منذ زمن لعائلة أخرى وسيُسلَّم قبل نهاية العام؛ كان عليّ أن أحضر قبل نهاية العام لأودّعه وأبحث عن سكنٍ جديد بعيداً ليتحوّل إليه أهلي.
في صباح اليوم التالي وصلتُ إلى باب بيتنا. أعشابٌ جافّة مكسّرة ترتعش على السطح في الريح، تُبيّن لماذا تعاقب على البيت عدّة أسر مستأجرة. كانت عائلتي قد نُقلت بالفعل، فالبيت كان هادئاً جداً. حين دخلتُ إلى دار أمّي، استقبلتني وهي فرحة جداً، ومع ذلك لم يخلُ وجهها من أثر الحزن. أجلستني وقدّمت لي الشاي وجعلتني أرتاح، ولم تذكر موضوع النقل. هونغ إير (宏儿) لم يكن قد رآني؛ كان واقفاً من بعيد يراقب.
لكنّنا أخيراً تحدّثنا عن النقل. قلتُ إنني استأجرتُ بيتاً هناك وإنني اشتريتُ بعض الأثاث، وأنه ينبغي بيع كلّ أثاث البيت القديم، ثم نشتري ما نحتاجه هناك. أمّي وافقت، وكانت أمتعة النقل قد تمّ ترتيب جانبٍ منها. تبقّى حوالي نصف الأثاث القديم لبيعه، وبعض العفش الخفيف كان يجب نقله.
قالت أمّي إنه ينبغي أن نرتاح يوماً أو يومين ونزور أقاربنا ثم نرحل. وقالت أيضاً: رون تو (闰土) يريد أن يأتي لزيارتك حين يعلم أنك عدتَ؛ لقد أرسلنا إليه رسالة ولعلّه سيصل قريباً.
عند ذلك برقت أمام عيني فجأةً صورةٌ رائعة ومدهشة: تحت سماء زرقاء صافية، قمرٌ ذهبيّ مستدير معلّق على شاطئ رملي أخضر ممتدّ حتى البحر؛ وصبيٌّ في الحادية عشرة أو الثانية عشرة، يضع طوقاً فضّياً حول رقبته، يمسك مذراةً من حديد في يده، ويطعن بكلّ ما أوتي من قوة في تشا (猹) — وذلك الوحش الصغير يلتفّ ويفلت هارباً من بين ساقيه.
ذلك الصبيّ هو رون تو. حين التقيتُ به كنتُ في العاشرة تقريباً، أي قبل ثلاثين عاماً. كان والده في ذلك الوقت يشتغل بالزراعة، وكان في موسم الحراسة الكبيرة يأتي لحراسة أضحية بيتنا. كان رون تو يعرف أنواعاً كثيرة من الطيور والحيوانات: كيف يمسك بها ليلاً بالأفخاخ والمذاري.
في ليالي القمر، كان يقصّ عليّ حكاياته: عن البطّيخ في حقل الرمل بجوار البحر. في ليلةٍ مقمرة، تسمع خشخشة: تشا يقرض بطّيخة. تأخذ مذراتك وتتسلّل نحوه...
لم أكن أعرف ما هو التشا حتى الآن؛ تخيّلتُه شيئاً يشبه كلباً صغيراً لكنه شرس.
«ألا يعضّ؟»
«لهذا المذراة. حين تقترب وترى التشا، تطعنه بالمذراة. الحيوان ذكيّ جداً: يهجم عليك ثم ينسلّ بين ساقيك. فروه أملس كالزيت...»
لم أكن أعرف أن في العالم كلّ هذه العجائب: شاطئ البحر بأصدافه الملوّنة؛ وأن للبطّيخ مغامراتٍ بهذه الخطورة. كنتُ لا أعرفه إلا معروضاً في دكان الفاكهة.
«على رملنا، حين يرتفع المدّ، تقفز أسماك النطّاطة (弹涂鱼) في كلّ مكان، كلّ واحدة بقدمين كالضفدع...»
آه! عقل رون تو كان يحوي كنزاً لا ينضب من العجائب، كلّها مجهولة لرفاق لعبي المعتادين. هم لم يكونوا يعرفون شيئاً من هذا؛ بينما رون تو كان بجوار البحر، كانوا هم — مثلي — لا يرون سوى المربّع الأزرق من السماء فوق أسوار الفناء العالية.
للأسف، مضى الشهر الأول واضطرّ رون تو للعودة. بكيتُ بحرقة، وهو أيضاً اختبأ في المطبخ يبكي رافضاً الرحيل، لكن والده أخذه في النهاية. بعد ذلك أرسل لي عبر والده رزمة أصداف وريش طيور جميل؛ وأنا أيضاً أرسلتُ له أشياء مرّةً أو مرّتين، لكن بعد ذلك لم نتلاقَ ثانية.
الآن وقد ذكرته أمّي، عادت كلّ ذكريات طفولتي كالبرق دفعةً واحدة، وخُيّل إليّ أنني أرى أمامي وطني الجميل. فأجبتُ فوراً:
«يا للروعة! هو... كيف حاله؟...»
«هو؟... لم تسِر أموره جيداً أيضاً...» قالت أمّي ناظرةً إلى الباب. «ها هم يأتون مرةً أخرى. يقولون إنهم يريدون شراء أثاث، لكنهم يحملون كلّ ما يطاله يدهم. لعلّي أذهب لألقي نظرة.»
نهضت أمّي وخرجت. في الخارج سُمعت أصوات نسائية. استدعيتُ هونغ إير بإشارة وتحدّثتُ معه: هل يعرف الكتابة؟ هل يودّ السفر؟
«هل سنركب القطار؟»
«نعم، القطار.»
«والسفينة؟»
«أولاً السفينة...»
«ها! انظروا إلى هيئته! يا لها من لحية طويلة!» صوتٌ حادّ ومميّز صرخ فجأة.
ارتعتُ ورفعتُ رأسي بسرعة، لأرى امرأة في الخمسين تقريباً تقف أمامي، عظام خدّيها بارزة وشفتاها رقيقتان، يداها على خصرها، بلا مئزر، ساقاها متباعدتان — بهيئة فرجارٍ رفيع الساقين أُخرج من علبة أدوات الرسم.
وقفتُ مذهولاً.
«ألا تعرفني؟! أنا حملتُك على ذراعي!»
ازددتُ ذهولاً. لحسن الحظ دخلت أمّي في تلك اللحظة وقالت من جانب:
«قضى سنوات كثيرة في الخارج ونسي كلّ شيء. ينبغي أن تتذكّر،» قالت لي ملتفتة. «هذه السيدة يانغ (杨二嫂)، من البيت المقابل بشكلٍ مائل: صاحبة دكان التوفو.»
آه نعم، الآن تذكّرتُها. في طفولتي كنتُ فعلاً أرى سيدة يانغ جالسة طوال اليوم في دكان التوفو المقابل؛ الكلّ يسمّيها «حسناء التوفو». لكنها آنذاك كانت تضع البودرة البيضاء، وعظام خدّيها لم تكن بهذا البروز، وشفتاها لم تكنا بهذا النحول. ولأنها كانت دائماً جالسة، لم أرَ قطّ هذه الهيئة الفرجارية. كان يُقال إن بفضلها كانت تجارة التوفو ممتازة. لكن على الأرجح بسبب سنّي لم يكن لجمالها أيّ أثرٍ عليّ فنسيتُها تماماً. السيدة الفرجار، مع ذلك، كانت مستاءة جداً واتّخذت تعبير ازدراء، كأنها تسخر من فرنسي لا يعرف نابليون أو أمريكي لا يعرف واشنطن، وتهكّمت:
«نسيت؟ هذا ما يحدث حين يصبح المرء مهمّاً جداً...»
«لا، ليس الأمر كذلك... أنا...» قلتُ مذعوراً ناهضاً.
«إذن دعني أقول لك، يا شون. صرتَ غنياً، وهذه الأثاثات الثقيلة يصعب نقلها على أيّ حال. لماذا لا تتركني هذه الأثاثات القديمة المتهالكة؟ لأناسٍ بسطاء مثلنا، لا تزال صالحة.»
«لستُ غنياً أبداً. أحتاج أن أبيع هذه الأشياء ثم...»
«يا إلهي! نُصّبتَ حاكم دائرة، وتقول إنك لستَ غنياً! الآن عندك ثلاث محظيات؛ حين تخرج تُحمل في محفّة يرفعها ثمانية حمّالين، وتقول إنك لستَ غنياً! لا يفوتني شيء.»
أدركتُ أنه لا فائدة من الكلام فأغلقتُ فمي ووقفتُ صامتاً.
«نعم، نعم: كلّما ازداد الغنى قلّ العطاء، وكلّما قلّ العطاء ازداد الغنى...» استدارت السيدة الفرجار ساخطةً تتمتم بلا انقطاع، ومضت ببطء نحو المخرج، وفي طريقها دسّت خلسةً قفّازين لأمّي في خصرها.
بعد ذلك جاء المزيد من الأقارب والجيران للزيارة. بين الاستقبال والتعبئة مرّت ثلاثة أو أربعة أيام.
ذات عصر شديد البرد، بعد الأكل، كنتُ جالساً أشرب الشاي حين أحسستُ بأحدٍ يدخل فالتفتُّ. حين رأيتُ مَن هو، لم أستطع إلا أن أشعر بصدمةٍ هائلة. قفزتُ من مقعدي وأسرعتُ نحوه.
كان رون تو. عرفتُه من النظرة الأولى، لكنه لم يعد رون تو الذي في ذاكرتي. كبر حتى ضعف حجمه السابق؛ الوجه المستدير ذو البشرة الداكنة صار رمادياً مصفرّاً ومحفوراً بتجاعيد عميقة؛ عيناه، كعيني والده، منتفختان ومحمرّتان في كلّ محيطهما؛ كنتُ أعلم أن مَن يزرعون بجوار البحر ويتعرّضون لريح الساحل طوال اليوم، عادةً ما يكون مظهرهم هكذا. على رأسه قبّعة لبّاد ممزّقة، على جسده سترة مبطّنة رقيقة جداً، وهو يرتجف من قمّة رأسه حتى أخمص قدميه. في يديه رزمة ورقية وغليونٌ طويل؛ تلك اليدان لم تعدا اليدين الممتلئتين الورديتين القويتين اللتين أتذكّرهما؛ كانتا خشنتين بطيئتين ومتشقّقتين، كلحاء شجرة صنوبر.
تأثّرتُ بعمق لكنني لم أعرف ماذا أقول؛ لم أستطع إلا أن أقول:
«آه! أخي رون تو... أتيتَ؟...»
عندئذٍ أراد ألفُ شيء أن ينطلق دفعةً واحدة: طيور الحجل، أسماك النطّاطة، الأصداف، التشا... لكن شيئاً ما بدا يحبس كلّ ذلك. الكلمات تدور في رأسي بلا أن تخرج.
وقف جامداً لا يتحرّك. على وجهه ظهر تعبيرُ فرحٍ وحزنٍ في آن؛ شفتاه تتحرّكان لكن لم يخرج أيّ صوت. أخيراً اتّخذ وقفةً وقورة ونطق بوضوح:
«سيّدي!...»
بدا أن رعشةً سرت في جسدي؛ عرفتُ حينها أن حاجزاً حزيناً لا يُختَرق قد ارتفع بيننا. لم أستطع أنا أيضاً نطق كلمة.
التفت وقال: «شوي شِنغ (水生)، انحنِ للسيد.» وسحب الطفل الذي كان يختبئ خلفه — صورةٌ طبق الأصل من رون تو قبل عشرين عاماً، لكن أصفر وأنحف، بلا طوقٍ فضّي حول رقبته. «هذا الخامس. لم يرَ الدنيا، دائماً يختبئ...»
نزلت أمّي وهونغ إير من الطابق العلوي؛ لعلّهما سمعا الأصوات.
«يا سيدتي. تلقّيتُ الرسالة منذ زمن. كنتُ سعيداً جداً حين علمتُ أن السيد عاد...» قال رون تو.
«آه، لماذا صرتَ رسمياً هكذا؟ ألم تكونا تناديان بعضكما أخاً من قبل؟ استمرّا كما كنتما: شون.» قالت أمّي سعيدة.
«آه، يا سيدتي، أرجوكِ... ذلك لن يكون لائقاً. كنّا أطفالاً حينها ولم نكن نعرف شيئاً...» وبينما يتكلّم رون تو، نادى شوي شِنغ ليركع، لكن الطفل كان خجولاً ويتشبّث بظهر أبيه.
«إذن هذا شوي شِنغ؟ الخامس؟ هنا الكلّ غرباء، لا عجب أن يخجل. ليأخذه هونغ إير في نزهة»، قالت أمّي.
سمع هونغ إير ذلك وأشار إلى شوي شِنغ، الذي ذهب معه عن طيب خاطر. طلبت أمّي من رون تو أن يجلس. تردّد لحظةً، ثم جلس أخيراً، وأسند غليونه الطويل إلى المائدة وسلّم الرزمة الورقية:
«في الشتاء ليس عندنا شيء يُذكر. هذا فولٌ أخضر جفّفناه في الشمس. من فضلك، يا سيدي...»
سألتُه عن أحواله. اكتفى بهزّ رأسه.
«صعبٌ جداً. السادس يمكنه المساعدة قليلاً، لكنه رغم ذلك لا يكفينا لنأكل... ولا سلام... الكلّ يريد مالاً من كلّ مكان، بلا قواعد... الحصاد سيّء. يزرع المرء شيئاً ويحمله إلى السوق، فيفرضون ضرائب في كلّ مرة، ويخسر المرء. لو لم يبِع، يتعفّن...»
اكتفى بهزّ رأسه؛ ومع أن تجاعيد عميقة محفورة في وجهه، لا عضلة تتحرّك — كأنه تمثال حجري. غالباً لم يشعر إلا بالمرارة، لكنه لم يستطع التعبير عنها. بعد لحظة صمت، أخذ غليونه ودخّن بلا كلمة.
سألته أمّي وعرفت أن لديه كثيراً ليفعله في البيت وأنه يجب أن يعود في اليوم التالي. ولأنه لم يتناول الغداء بعد، أخبرته أن يذهب إلى المطبخ ويقلي لنفسه بعض الأرزّ.
حين خرج، تنهّدنا أنا وأمّي معاً على حاله: أبناء كثيرون، مجاعات، ضرائب ساحقة، جنود وقطّاع طرق، مسؤولون وملاّك أراضٍ — كلّ ذلك طحنه حتى تحوّل إلى دمية من خشب. قالت أمّي إن كلّ ما لا نحتاج لنقله يمكننا إعطاءه له؛ يختار ما يريد.
بعد الظهر اختار بعض الأشياء: مائدتين طويلتين، أربعة كراسي، مبخرة بحامل شموع، وقبّاناً. وأراد أيضاً كلّ رماد القشّ. حين نرحل، سيأتي بقاربه ويحمل كلّ شيء.
تلك الليلة تبادلنا بضع كلمات عن أمور لا أهمية لها؛ وفي صباح اليوم التالي أخذ شوي شِنغ وعاد إلى بيته.
مرّت تسعة أيام أخرى وجاء يوم رحيلنا. جاء رون تو في الصباح؛ شوي شِنغ لم يأتِ — أحضر فقط ابنته ذات الخمس سنوات لتقود القارب. كنّا مشغولين طوال اليوم ولم نجد وقتاً للحديث. جاء أيضاً كثيرٌ من الزوّار: بعضهم لتوديعنا، وبعضهم لأخذ أشياء، وبعضهم لكليهما. عند المساء، حين صعدنا إلى القارب، كان كلّ خردةٍ في البيت القديم، كبيرة وصغيرة، قد كُنس بلا أن يبقى شيء.
تقدّم قاربنا. التلال الخضراء على جانبَي النهر أخذت تكتسي لوناً نيلياً عميقاً في الشفق وتبتعد باستمرار خلف المؤخّرة.
أنا وهونغ إير اتّكأنا على نافذة القارب، نتأمّل المنظر الغائم في الخارج. فجأة سأل:
«عمّاه! متى سنعود؟»
«نعود؟ لم تذهب بعد وتريد العودة.»
«لكن شوي شِنغ دعاني لأزوره ونلعب في بيته...» نظر بحلمٍ بعينيه السوداوين الكبيرتين.
أنا وأمّي أيضاً شعرنا ببعض الحنين، فعدنا للحديث عن رون تو. قالت أمّي إن السيدة يانغ «حسناء التوفو»، منذ أن بدأنا التعبئة، كانت تأتي كلّ يوم. قبل يومين نبشت أكثر من اثنتي عشرة صحناً من كومة الرماد، وبعد تداول أعلنت أن رون تو لا بدّ أنه دفنها ليأخذها مع الرماد. بعد اكتشاف هذه «الحيلة»، نسبت السيدة يانغ لنفسها فضلاً كبيراً وانطلقت ومعها «مُستفزّ الكلاب» (جهاز لإطعام الدجاج في منطقتنا: صينية خشبية بسياج فوقها، مملوءة بالحبوب؛ يستطيع الدجاج أن يمدّ رقبته وينقر، لكن الكلب لا يستطيع فيظلّ ينظر ويكاد ينفجر من الغيظ). رغم قدميها الصغيرتين في أحذية بنعال عالية، كانت تجري بسرعة مذهلة.
البيت القديم يبتعد أكثر فأكثر خلفنا؛ جبال ووديان مسقط رأسي تتلاشى تدريجياً. لكنني لم أشعر بحنينٍ خاصّ. شعرتُ فقط أن جدراناً عالية غير مرئية تُحيط بي من كلّ الجوانب، تعزلني في الوحدة، وتضغط عليّ بشدّة. صورة البطل الصغير ذي الطوق الفضّي في حقل البطّيخ، التي كانت واضحة وضوح الشمس قبل لحظة، صارت فجأةً ضبابية، وملأني ذلك بحزنٍ عميق.
أمّي وهونغ إير كانا قد ناما.
استلقيتُ أصغي إلى همهمة الماء تحت القارب، عالماً أنني في الطريق. فكّرتُ: إلى هذا وصل الأمر بيني وبين رون تو! لكن أبناءنا لا يزالون قلباً واحداً: أليس هونغ إير يفكّر في شوي شِنغ هذه اللحظة؟ أملتُ ألا يتباعدا كما حدث لنا... لكنني لم أُرد لهم أن يعيشوا، من أجل البقاء متّحدين، حياةَ كدٍّ وقلق كحياتي؛ ولا حياة كدٍّ وخدَر كحياة رون تو؛ ولا حياة كدٍّ ووقاحة مُتعمَّدة كحياة آخرين. يجب أن تكون لهم حياةٌ جديدة، حياةٌ لم نعشها قطّ.
حين فكّرتُ في الأمل، انتابني فجأةً الخوف. حين أراد رون تو المبخرة وحامل الشموع، سخرتُ منه سرّاً، ظانّاً أنه لا يزال يعبد الأصنام ولا ينساها أبداً. لكن أليس ما أسمّيه الآن أملاً هو أيضاً صنمٌ صنعتُه بنفسي؟ الفارق الوحيد أن أمنيته قريبة، بينما أمنيتي بعيدة وغامضة.
في سِنتي، امتدّ أمام عيني شاطئٌ رملي أخضر زمرّدي بجوار البحر، وفوقه سماءٌ زرقاء صافية وقمرٌ ذهبيّ مكتمل. فكّرتُ: لا يمكن القول إن الأمل موجود، ولا يمكن القول إنه غير موجود. هو كالدروب على الأرض. لأن الأرض في الأصل لم يكن فيها دروب، لكن حين يمشي كثيرون في الاتّجاه نفسه، يُوجَد الدرب.
(يناير ١٩٢١.)